الملحة في مشروعية التسبيح بالسبحة





                 
                         الملحة في مشروعية التسبيح بالسبحة




                                   كتابة : أبو عيسى الطاهر زياني


















                                                الــمــقـــدمـــــــــــــة                                               
الحمد لله الذي تسبح له السماوات السبع وما فيهن، والأرضين وما بينهن، وكل الخلائق تسبح بحمد ربهن، والصلاة والسلام على أشرفِ من أُرسل، وخير من سبح وهلّل، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من سار على منهجه القويم، واتبع سبيله المستبين، إلى يوم الدين, أرسله الله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، ففتح به أعينا عميانا، وآذانا صمانا، وقلوبا غلفانا، أما بعد :
فقد أمرنا الله تعالى بذكره، والتسبيح بحمده، أمرا مطلقا في مواطن، مقيدا في أخرى، وبين لنا النبي عليه السلام أن أفضل التسبيح ما كان بعقد اليد اليمنى من غير إيحاب ولا تقييد، بل أجاز استعمال الوسائل المعينة على عدّ التسبيح ، لما في ذلك من جلب المصالح ورفع الحرج عن الناس خاصة عن كبار السن ومن يعسر عنهم الإحصاء، إلا أن بعض المتأخرين شددوا في ذلك بل وبدعوا التسبيح بالسبحة ونحوها، وقلدهم في ذلك أتباعهم، وقد تقرر عند العلماء أن ما فعله الصحابة والتابعون لا يحل تبديعه، بل وتقرر أيضا أن المسائل الخلافية التي وقع فيها اختلاف بين السلف لا يحل تبديعها أو الإنكار فيها، كيف والأمر أن استعمال المسبحة هو الأمر المقبول المتلقى بالقبول عند السلف المتقدمين أتباع الرسول، ولم يُعرف المخالف فيه إلا من المتأخرين، وإني بعون الله مُلخّص ما احتج به القوم، ثم ذاكر الحجج على جوازها، وإنما الحجة عند التنازع هي الكتاب والسنة على فهم الصحابة ثم التابعين فأتباعهم من أصحاب القرون الأربعة المفضلة، الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية والفضل على غيرهم، وأنه لا يحل لأحد أيا كان أن يأتي بقول أو فهم جديد محدث ليس له فيه سلف .
فهالتني كثرة التبديعات لما فعله السلف من أمور مسنونات، وحملني ذلك على جمع مبحثٍ مستقل مليء بالبينات، تتبعت فيه ما حضرني من أحاديث نبوية، وما وجدت من آثار سلفية، حول مشروعية هذا الموضوع.
تتبعت ذلك من كتب الحديث والمرويات، وبطون الأجزاء والمسانيد والمعجمات، مبينا صحيحها من سقيمها، فما كان من صحيح ذكرته كالعادة بصيغة التعريف :" الدليل .."، وما كان من سقيم ذكرته منَكَّرا: " دليل .."، وما كان محتملا أو لم أجد إسناده أو شككت فيه ذكرته بالشك :" دليل أو الدليل .."، ثم قمت بترتيبها، وعَدِّ ترقيمها، وإعادة تصنيفها، على حسب الأبواب، وتجانس معاني الحديث وطرقه مع موضوع الكتاب، مراعيا بذلك حسن السياق، ناظرا في اللحاق والسباق، وقد قسمته على النحو التالي :   
المبحث الأول : أنواع التسبيح :
المطلب الأول : التسبيح المقيد :
المطلب الثاني : التسبيح المطلق، وذكر الاختلاف في العدّ فيه:
المبحث الثاني : من منع استعمال السبحة وذكر أدلتهم :
المطلب الأول: ذكر أدلة وشبَهِ المبدعين للسبحة:
المطلب الثاني : ذكر خبر ابن مسعود والاختلاف عليه فيه :
المبحث الثالث: من قال بمشروعية السبحة ونحوها، وذكر أدلتهم :
المطلب الأول : ذكر السنن التقريرية والأدلة المرفوعة عن النبي عليه السلام :
المطلب الثاني: ذكر ما جاء في التسبيح بالسبحة أو الحصى عن الصحابة رضي الله عنهم:
المطلب الثالث: ذكر ما جاء في التسبيح بالحصى أو النوى عن التابعين:
المطلب الرابع: ذكر ما جاء التسبيح بالحصى والنوى عن أتباع التابعين ومن بعدهم:
المطلب الخامس: ذكر عدم الفارق بين التسبيح بالنوى وما هو في خيط ، وكلام السلف في ذلك :
المطلب السادس: ذكر أقوال أخرى لأصحاب المذاهب:
المطلب السابع: ذكر من ألف في مشروعية السبحة من السلف:








المبحث الأول : أنواع التسبيح : 
ينقسم إلى تسبيح مطلق وآخر مقيد، كما في المطلبين التالييْن :  
المطلب الأول : التسبيح المقيد : هو الذي أمر به الشارع في مواطن معينة، بأعداد محددة ومبينة، فهذا السنة فيه الاقتصار على ما هو مبين في السنة ، ويدخل في ذلك ما يلي :  
التسبيح المندرج في أوراد أذكار الصباح والمساء: لما خرجه الترمذي (3471) وحسنه عن الضحاك بن حمرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبح الله مائة بالغداة ومائة بالعشي كان كمن حج مائة حجة، ومن حمد الله مائة بالغداة ومائة بالعشي كان كمن حمل على مائة فرس في سبيل الله، أو قال غزا مائة غزوة، ومن هلل الله مائة بالغداة ومائة بالعشي كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، ومن كبر الله مائة بالغداة ومائة بالعشي لم يأت في ذلك اليوم أحد بأكثر مما أتى إلا من قال مثل ما قال أو زاد على ما قال» ...
ومن ذلك التسبيح المقيد بأدبار الصلوات : كما خرج مسلم (597) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ".
وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول :" خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة من سبح الله في دبر كل صلاة عشرا وكبر الله عشرا وحمد الله عشرا فتلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان "...
وورد ذلك في النوم: استدلالا بما روى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« وإذا أوى أحدكم إلى فراشه كبر الله وحمده وسبحه مائة فتلك مائة باللسان وألف في الميزان .." ...
المطلب الثاني : التسبيح المطلق، وذكر الاختلاف في العدّ فيه:  وهو ما كان في غير المواطن المقيدة، ولا عدّ فيه محصور، بل الأفضل أن يسبح المرء فيه إطلاقا بلا عدّ، وعلى ذلك يتنزل قول من كره عدّ التسبيح، بحصى كان ذلك أو بيد ، وفي ذلك آثار : 
أثر أو الأثر الأول : أثر ابن مسعود : قال أبو بكر (2/283) باب من كره عقد التسبيح: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان عبد الله يكره العدد ويقول أيمن على الله حسناته"، هذا خبر منقطع، إلا أنّ إبراهيم ممن يروي عن الثقات من أصحاب عبد الله عنه، وله شاهد آخر :
فقال أبو بكر (7/75) حدثنا عبيدة بن حميد عن هلال بن يساف قال: كانت امرأة من همدان تسبح الله وتحصيه بالحصى أو النوى فمرت على عبد الله فقيل له: هذه المرأة تسبح وتحصيه بالحصى أو النوى، فدعاها فقال لها: أنت التي تسبحين وتحصين؟ فقالت: نعم إني لأفعل، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك، تقولين: الله أكبر كبيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا"، عبيدة بن حميد صدوق، وهلال بن يساف ثقة تابعي كبير أدرك عليا وطبقته، وفي قوله لها :" أنت التي تسبحين وتحصين"، بيان واضح منه أنه إنما أرشد المرأة إلى ترك الإحصاء والتسبيح بعدد محصور في الذكر المطلق كما بيناه ، ومن ثم التبيين لهما لما هو أفضل وهو هذا الدعاء الجامع، كما بين ابن رجب في جامعه، وسيأتي التفصيل فيه .
أثر ثاني : أثر ابن عمر : قال أبو بكر حدثنا أزهر السمان عن ابن عون عن عقبة قال سألت ابن عمر عن الرجل يذكر الله ويعقد فقال تحاسبون الله"، وفيه عقبة أراه يعقوب ويقال عقبة بن أوس، وثقه ابن حبان، والعجلي كعادته في توثيق التابعين، وقد روى عنه ابن سيرين مع جلالته، لكن قال عنه ابن عبد البر: مجهول، وهو مقلّ وله حديث مضطرب مما يقوي جانب ضعفه، ولم يسمع من ابن عمر .
أثر ثالث : أثر عمر : قال أبو بكر حدثنا ابن فضيل عن وقاء عن سعيد بن جبير قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا يسبح بتسابيح معه، فقال عمر: إنما يجزيه من ذلك أن يقول: سبحان الله ملء السموات والأرض وملء ما شاء من شئ بعد"، وفي هذا الخبر وما سبقه من الفقه أمران :
أولاها: أن الأولى ترك العدّ والإحصاء لما هو مطلق، وأن جوامع الذكر أفضل من الذكر المحصور بعدد، كما فصل وأطنب في ذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم من آخر حديث له، وسيأتي بيانه .
والثاني : أنّ الذكر والتسبيح على نوعين: ذكر مطلق: والأفضل فيه أن لا يُحصر بعدد، لا بأصابع ولا بتسابيح، بخلاف الذكر المقيد بعدد فالسنة فيه الاقتصار على ذلك العدد كما سبق.
المبحث الثاني : من منع استعمال السبحة وذكر أدلتهم :
المطلب الأول: ذكر أدلة وشبَهِ المبدعين للسبحة:  
الدليل الأول: وهو من عجيب استدلالاتهم التي فيها تلبيس للحق بالباطل، حيث قالوا :
لقد كره العد وحساب التسبيح بعض السلف، فأدخلوا هذه المسألة، في مسألة كراهة السبحة لأنها وسيلة للعد، وهذا استدلال باطل لما سبق وما لَحِق  :
أحدها: أن هذا الاستدلال حجة لنا عليهم، لأن الأصابع كذلك وسيلة للعد والتسبيح، كما أن السبحة وسيلةٌ للعد والتسبيح، فكانت مثلها تماما، فصح هذا القياس، مع تأييده بالمصلحة المرسلة لأن السبحة وسيلة للعد لا غاية، فكان ما ادعوا حجة لنا عليهم في الجواز والحمد لله.
الوجه الثاني: قد بينا لهم بالدليل لا بالدعاوي والتضليل: أن الذي جاءنا عن جماعة من السلف هو كراهة عقد وعد التسبيح مطلقا، سواء أكان ذلك باليد أو بغيرها، لأنه من باب الامتنان على الله تعالى وتقييد الحساب كما سبق .
دليل ثان: خرجه أحمد 6/370 وأبو داود 1501 والتِّرمِذي 3583 وغيرهم من طرق عن الخريبي ومحمد بن بشر عَنْ هَانِئِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ حُمَيْضَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ عَنْ يُسَيْرَةَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ وَلَا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ"، فنظرنا في هذا الحديث فوجدناه حجة عليهم لوجوه:
أحدها: أن الحديث ضعيف بعلتين: أحدهما أن الترمذي قد ضعف هذا الحديث بقوله:" هذَا حَدِيثٌ غريب إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ هَانِئِ بْنِ عُثْمَانَ"، وهانئ مجهول الحال،
والعلة الثانية: أمه حميضة مجهولة العين، فلا يقبل حديثها حتى في الشواهد، فبطل استدلالهم بهذا الحديث الضعيف جدا.  
الوجه الثاني: أنه لو صح حديث :" اعقدن التسبيح بالأنامل"، فهو محمول على الاستحباب كما قال أهل العلم، لم يُنقل عن أحد منهم أنه قال بوجوب التسبيح بالأنامل ، يؤيد ذلك:
الوجه الثالث: أن التسبيح مستحب بالإجماع، فالوسيلة إليه تأخذ حكمه أيضا لا تتعداه كما هو معروف في الأصول .
الوجه الرابع: أن التسبيح بالسبحة أيضا يدخل في حديث الباب، لأن التسبيح بالسبحة لا يكون إلا بالأنامل أيضا، ولذلك استدل به المناوي في فيض القدير (4/468) على مشروعية السبحة، فقال عن هذا الحديث :" وهذا أصل في ندب السبحة المعروفة، وكان ذلك معروفا بين الصحابة، فقد أخرج عبد الله بن أحمد أن أبا هريرة كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به"، وفي حديث رواه الديلمي: نعم المذكر السبحة، لكن نقل المؤلف عن بعض معاصري الجلال البلقيني أنه نقل عن بعضهم أن عقد التسبيح بالأنامل أفضل لظاهر هذا الحديث، لكن محله إن أمن الغلظ، وإلا فالسبحة أولى، وقد اتخذ السبحة أولياء كثيرون، ورُئي بيد الجنيد سبحة فقيل له: مثلك يمسك بيده سبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه، وفي رواية عنه: شئ استعملناه في البدايات لا نتركه في النهايات، أحب أن أذكر الله بقلبي ويدي ولساني"، قال: ولم ينقل عن أحد من السلف ولا الخلف كراهتها.."، فضلا عن دعوى التبديع والله المستعان ـ .
الوجه الخامس : أنّ الصواب فيه، أنّ عقد التسبيح باليد جاء من فعله عليه السلام لا من قوله، وأفعالُه للاستحباب والتأسي، برهان ذلك :
الدليل الثالث : خرجه أبوداود والترمذي وغيرهما من طرق كثيرة عن عَثَّامٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ بيده"، كذا قال الجمع الكبير من الحفاظ عن عثام بلفظ :" بيده"، وكذلك هي متابعة أبو حنيفة عن عطاء، وقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وحده عن عثام: "بِيَمِينِهِ"،
وزاد أحدهم عن أحمد بن المقدام عن عثام :" يعقد التسبيح في الصلاة"،
لكن يشهد للتسبيح باليمين العمومات المعروفة، وصفة العقد والعدّ المعروفة عند العرب، والتي فصل القول فيها الإمام الصنعاني في سبل السلام (189) .
ولذلك كان مذهب جمهور السلف أن استعمال الأنامل في التسبيح أفضل من استعمال السبحة.
بينما فصل بعضهم بين من كان يُتقن ويتذكر فاستعمال الأنامل له أفضل، وأما خفيف الضبط والمعرفة، كثير النسيان فاستعمال السبحة له أفضل والله أعلم .
الدليل الرابع: ثم استدل القوم بسامج من القول وبارد من الصول فقالوا: إن السبحة من عمل البوذيين، أو المتصوفة المبتدعين، أو الزنادقة المرتدين، ونسألهم :
مَن مِن الكفار يسبح الله رب العالمين؟ وإنا والله وبالله سنأتيهم بمشروعية التسبيح بها عن أفضل خلق الله، وعن أصحاب رسول الله رضي الله عنهم أجمعين، ثم عن سادات التابعين وأهل الفقه في الدين، فهل هؤلاء عندهم سيكونون من المفترين، أو المبتدعة الضالين ؟!
وهل من الحق ترك الحق إذا فعله مبتدعة فجار، أو زنادقة كفار ؟. 
الدليل الخامس : قالوا : إن السبحة ذريعة إلى الرياء، ويُقال لهم كفوا يا أوفياء، فقد قال سيد الأنبياء:" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، فقد يرائي الإنسان بغير ذلك من الأعمال الصالحة بل وفي العد بالأصابع أيضا، بل وحتى في تحريك اللسان، وسائر السنن، ولا يختص الرياء بالسبحة فقط حتى يُجعل دليلا على إنكارها، لأن الرياء يدخل في جميع أنواع العبادات، وسائر القربات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
الدليل السادس: قالوا: إن لفظ المسبحة لا يعرفه العرب ولا ذكروه في كتبهم، فهي بذلك مقبحة مسلخة مبتدعة وغير ذلك من الأسماء التي حقا لا يعرفها العرب ولا ذكرها أحد منهم عن السبحة، والجواب على دعاويهم من أوجه :
أحدها: على التسليم بأن لفظ السبحة محدث لغة، فلا يلزم من ذلك أن يكون محدثا في الشرع كما هو معروف، فإن هناك كثيرا من الألفاظ المحدثة في اللغة ثم أُدخلت فيها فصارت منها، وأخرى دخلت في الشرع، كالشأن في الكثير من العلوم الشرعية ومصطلحاتها فإنها محدثة لكنها متلقاة بالقبول في الشرع.
وهذا القول يرجع إلى أصل آخر وهو في مبدأ اللغات: هل هو توقيفي أو مُولد مُحدث باجتهاد الناس؟ والصواب أن أصل اللغات توقيفي علّمه ربنا آدم عليه السلام وذريته، وهناك ألفاظ أخرى كثيرة مرجعها إلى اجتهاد الناس وما يطرأ عليهم في حياتهم، فيحدثون لها أسماءا بتوفيق وقدر من الله، مشتقة من تلك الألفاظ الأصلية، ومن ذلك لفظ السبحة فقد كان يُطلق على النافلة، ولما جاءت السبحة المعروفة أطلق عليها أيضا .  
وقد ذهب إلى هذا القول وهو أن لفظ السبحة مولد الإمام الأزهري اللغوي الكبير حيث قال: يقال لهذه الخَرَزات التي يَعُدُّ بها المُسَبِّحُ تَسْبِيحَه السُّبْحَة وهي كلمة مولدة"، وكذلك قال ابن منظور،
وقال الزبيدي:" وقال شيخنا: إِنها ليستْ من اللُّغَة في شَيْءٍ ولا تَعرِفها العرب وإِنما أُحدِثَتْ في الصَّدْرِ الأَوّل إِعانةً على الذِّكْر وتَذكيراً وتَنشيطاً"، فذكر أنها مولدة أُحدثت في القرن الأول، وهم خير القرون على الإطلاق وأعلمهم باللغة والشرع، فأحدثوا التسمية بعد أن كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على شكل واسم التسبيح بالحصى كما سيأتي، ولما جاء التسبيح بالخيوط احتاجوا إلى توليد التسمية بالسبحة، ومن هذا الباب لفظ المُصحف وتحزيبه وتقسيمه فإنه لم يكن موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم واستحدثه الصحابة للمصلحة فيه، كالسبحة تماما ، فعُلم بذلك أنه حتى ولو كانت محدثة في اللغة، لَما لزم من ذلك أنها محدثة شرعا لما ذكرناه آنفا من أن كثيرا من الألفاظ قد استحدثت وأُدخِلَت في العلوم الشرعية وبالله التوفيق .
أما الوجه الثاني: فقد ذهب جمهور أهل اللغة إلى أن لفظ السبحة أصلي في لغة العرب لأنها من الفعل سبح يسبح تسبيحا، وسُبحة على وزن فُعلة وجمع هذا الوزن ـ فُعل ـ أي سُبَح، فدل على عربيتها كما ذكر النووي في تهذيب اللغات، وكذلك قال أهل اللغة،
ففي مادة [س ب ح] قال الفيومي:" السُّبْحَةُ خرزاتٌ منظومة، قال الفارابي وتبعه الجوهري: والسُّبْحَةُ التي يُسَبَّحُ بها، وهو يقتضي كونها عربية"، وقال الرازي في مختار الصحاح:" السُّبْحَةُ خرزات يسبح بها، وهي أيضا التطوع"،
وقال الزبيدي: والسُّبْحَة بالضّمّ خَرَزَاتٌ تُنْظَمْنَ في خَيْط للتَّسْبيح تُعَدّ، وقال الفارابيّ وتَبِعَه الجوهريّ: السُّبْحَةُ الّتي يُسَبَّحُ بها"،  وكذلك قال الفيروزآبادي وابن سيدة والجوهري والفراهيدي وابن عباد،
وقال التنوخي: وهي خرزات منظومة في سلك، يجري التسبيح بها، وكان حمل السبحة، دلالة على التقوى"، فبطل استدلالهم بأنها غير عربية .
الوجه الثالث: أن تسمية السبحة ب :" المقبحة أو المسلخة "، هو الأمر المُحدث الذي لا نعرف عن أحد من السلف أو العرب قاله عن السبحة فبطل قولهم والله المستعان .
الدليل السابع : وهو عمومات النهي عن البدع، مع حديث عائشة رضي الله عنها:" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، قالوا:
والتسبيح بالحصى لم يثبت ولم يرد، فهو إذا بدعة، وكم بدعوا وبدعوا بهذه الدعوى من سنن والله المستعان.
ثم نظرنا في هذه الحجة فوجناها حجة واهية وهاء بيت العنكبوت بل أشد لوجوه:
أحدها: أنا وجدنا القوم يُحذّرون من الاستدلال بالعمومات، فما بالهم يستدلون بها هنا ؟.
الوجه الثاني: أن البدعة عند العلماء ما يُتقرب بها إلى الله، ولا نعلم عن أحد من المسلمين أنه يتقرب إلى ربه بذات السبحة، بل يجعلونها من باب الوسائل المعينة على عبادة التسبيح، فتكون بذلك من المصالح المرسلة الجائزة لعموم الناس، والمستحبة في حق خفيف الضبط كثير النسيان، لأن ما لا يتم المستحب إلا به فهو مستحب، فهي بهذا التقرير تدخل في باب المصالح المرسلة، لا في باب البدع المحدثة، وهذا من جنس اعتماد الصحابة على العصي من طول القيام، لتحصيل منفعة صلاة الليل، وكالاعتماد على العصا في الخُطب، وأظن أن القوم لا يُحسنون حتى التفريق بين المصلحة والبدعة والله المستعان .
الوجه الثالث : نسألهم: هل أحاطوا علما وقراءة ووعيا بجميع كتب السنن والمسانيد والمصنفات أم لا، بل هل قرأوا نصفها أو ثلثها حتى يدعوا بأنها لم تثبت ولم تَرِد ؟!
الوجه الرابع : أنه كما الإثبات يحتاج إلى دليل فكذلك النفي لا بد له من تدليل، كما هو مقرر بأدلته في الأصول، استدلالا بقوله تعالى :{ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)}[البقرة] .
فأين الدليل على ما نفيتم، وأين البرهان عن مُبدّع ولو واحد من الصحابة أو التابعين فيما أتيتم؟!
فما كان جوابهم إلا استدلالهم بحديث ابن مسعود الآتي، وإنا بعون من الله ومنة مبينون زيف هذا الدليل، وأنه حجة عليهم لا لهم، ثم سنأتيهم بعون الله بكل ما علَّمَنَاهُ ربنا جل في علاه عن أصحاب رسول الله وأولياء الله :
دليل ثامن: وهو خبر ابن مسعود رضي الله عنه: وبيانه في :
المطلب الثاني : ذكر خبر ابن مسعود والاختلاف عليه فيه :
وهو من أكبر عمدتهم في هذا الباب، إلا أنه حديث مضطرب المتن جدا، وأقوى ألفاظه ما فيه النهي عن التسبيح الجماعي فقط، وأصحها ما فيه النهي عن تعدد القصاص في المسجد الواحد، مع كون القصاص يُرغبون الناس في الذكر بلا علم، يقولولون للناس: سبحوا كذا فلكم كذا"، وهذا أصح من غيره، لكن :
1/ رواه الضعفاء بالنهي عن السبحة : واعجَبْ ممن بنى بيته على عمود واهٍ ساقط، سنُبين سقوطه بالأدلة بعونٍ من الله ومنة، ومن ثم نُبين أن خبر ابن مسعود حجة لنا عليهم في الجواز:
وسأقسم طرق حديثه إلى عدة أجناس على حسب الاختلاف عليه في الشيء الذي أنكره :
إذ قد اختُلف فيه على ابن مسعود في متن الحديث، وفي تعيين الشيء الذي أنكره اختلافا كثيرا أهو الحصى أو التسبيح الجماعي أو بهما معا، أو إنكار القصّ، وهذا بيان طرق حديثه وألفاظه مع الترجيح :
الجنس الأول : من روى تبديع السبحة ولو كان التسبيح فرديا :
ونبتدئ خبره بطريق صريحة نُبينها لهم ما أراهم ذكروها، لكنها منكرة جدا لا يُفرح بها أبدا :
رواية أولى: خرجها الخطيب في ترجمة مقاتل (15/219) قال: أخبرنا إبراهيم بن مخلد المعدل ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي ثنا مقاتل بن صالح ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا إسرائيل عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله قال :" التسبيح بالحصى بدعة"، ففيه سبع علل :
أحدها: محمد بن أحمد بن إبراهيم بن قريش قال عنه الخطيب: سألت البرقاني عنه؟ فقال: ثقة إلا أنه يروي مناكير، قال الخطيب: قد اعتبرت أنا حديثه فقلما رأيت فيه منكرا "، فعَلَّ هذا الحديث من مناكيره.
والعلة الثانية: مقاتل بن صالح مجهول الحال، ترجمه الخطيب، ونقل عن ابن المنادى قوله : مات أبو صالح المطرز وكان من المبرزين في الصلاح ولم يحدث"، قال الخطيب: أي لم يتسع في رواية الحديث"، وهذا يعني أن حاله في الضبط والحفظ مجهولة مع كونه قليل الحديث، وكم من صالح في نفسه، ضعيف في روايته .
والعلة الثالثة: فيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي متفق على تضعيفه، مختلف في درجة ضعفه، هل يُعتبر به أم لا ؟ :
فضعّفه بعضهم تضعيفا بسيرا: فقال الفسوي مرة: شيخ نبيل ثقة وفي حديثه لين"، وقال أخرى: يُضعّف، وقال الساجي وابن حجر وحدهما: صدوق يهم، لكن ابن حجر قال في التلخيص: عبد الأعلى بن عامر ضعيف"، وقال الذهبي مرة: صالح، وقال أخرى: لين، وذكره أيضا في ديوان الضعفاء وقال :" تابعي، ضعفه أحمد، وأبو زرعة"، وهذا يعني أنه صالح عنده في المتابعات فقط، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، وقال الدارقطني: يعتبر به، وقال في العلل: ليس بالقوي عندهم"، وقال أخرى (4/ 124):"مضطرب الحديث"، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بذاك القوي "، وقال ابن حبان في المجروحين:" كان ممن يخطىء ويقلب فكثر ذلك في قلة روايته فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد "،
بينما ضعفه تضعيفا شديدا آخرون بمعنى أنه لا يعتبر به، بل وقد اتهم، فقال يحيى القطان: يعرف وينكر، وقال الفلاس: ولم يحدث عنه يحيى .
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس بقوي "، وهذه عبارة بغير التعريف معناها نفي القوة عنه مطلقا، لأنه قال عن حديثه: شبه ريح ولم يصححها "،
وضعفه الثوري والجوزجاني، وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام عن حديث له :" أراه لا يصح من أجله ـ يعني عبد الأعلى ـ قال: كان ابن مهدي لا يحدث عنه ووصفه بالاضطراب، وقال أبو زرعة: ضعيف ربما رفع الحديث وربما وقفها "، وقال ابن القطان :"ضعيف ".  
وقال أبو علي الكرابيسي: كان من أوهى الناس، وقال أحمد بن حنبل: منكر الحديث، وقال مرة : هو كذا وكذا، كالحاط منه، وقال ابن حبان في المجروحين:" كان ممن يخطىء ويقلب فكثر ذلك في قلة روايته فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، على أن الثوري كان شديد الحمل عليه ونقل عن يحيى بن معين قوله فيه:" عبد الأعلى الثعلبي ليس بثقة، وذكره العقيلي في الضعفاء وقال: تركه ابن مهدي وابن القطان، وقال يعقوب بن سفيان: يضعف، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، وأورده البخاري والعقيلي وابن عدي وابن الجوزي في الضعفاء .
كما أنه مضطرب الحديث: فقد قال أبو حفص: كان عبد الرحمن بن مهدى لا يحدث عن عبد الاعلى الثعلبي، وسمعت عبد الرحمن يقول: ما أدرى كيف أُحدث عن عبد الأعلى، واحد يقول عن ابن الحنفية وآخر يقول عن ابى عبد الرحمن وآخر يقول عن سعيد بن جبير "،
والعلة الرابعة: أنه مع ضعفه فإن روايته عن أبي عبد الرحمن السلمي منكرة أيضا، ومضطربة وهذه منها :
فقال أبو أحمد بن عدي في الضعفاء :" قد حدث عنه الثقات ويحدث عن سعيد بن جبير وابن الحنفية وأبي عبد الرحمن السلمي وغيرهم بأشياء لا يتابع عليها"، وقد روى هنا عن أبي عبد الرحمن السلمي، وهذه العلل كلها توجب رد هذا الحديث، ثم هو منكر في المتن كما سيأتي، ولا يُعتبر بهذه الطريق في الشواهد لشدة ضعفها .
العلة الخامسة : أنّه منقطع، فقد قال شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن من ابن مسعود "، وكذا قاله غيره .
العلة السادسة : مخالفة هذا اللفظ لسائر الرواة عن ابن مسعود كما سنبين :
والسابعة : أن عبد الأعلى مع ضعفه واضطرابه قد حدث بالخبر مختصرا، ورواه بالمعنى الذي فهمه، وقد خالفه عَطَاء بن السَّائِبِ وهو أوثق منه فرواه عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: كَانَ عَمْرُو بن عُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ السُّلَمِيُّ وَمُعَضَّدٌ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِمَا اتَّخَذُوا مَسْجِدًا يُسَبِّحُونَ فِيهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَا، وَيُهَلِّلُونَ كَذَا وَيَحْمَدُونَ كَذَا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ، فَقَالَ لِلَّذِي أَخْبَرَهُ:"إِذَا جَلَسُوا فَآذِنِّي"، فَلَمَّا جَلَسُوا آذَنَهُ فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَكَشَفَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ:"أَنَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظَلْمَاءَ، أَوْ قَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا"، فَقَالَ مُعَضَّدٌ، وَكَانَ رَجُلا مُفَوَّهًا: وَاللَّهِ مَا جِئْنَا ببدعة ظلماءَ وَلا فَضَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ :" لَئِنِ اتَّبَعْتُمُ الْقَوْمَ لَقَدْ سَبَقُوكُمْ سَبْقًا مُبِينًا، وَلَئِنْ جُرْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلالا بَعِيدًا"، هذا خبر رجاله ثقات ، وليس فيه ذكر للحصى أصلا كما سيأتي، وإنما هي مذكورة في طريق موضوعة، ظنها عبد الأعلى معها لضعفه ووهم في ذلك :
رواية ثانية : فيها إنكار السبحة والحصا ولو كان التسبيح فرديا :
1/ قال ابن وضاح في كتاب البدع (12) نا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال :" مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصا فضربه برجله ثم قال:" لقد سبقتم ركبتم بدعة ظلما أو لقد غلبتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما"، وهذا خبر ساقط الإسناد جدا، منكر المتن، أما إسناده فهو منقطع من أوله إلى آخره، لا يعرف لبعضهم السماع من بعض، فلم يسمع أسد من جرير ولا جرير من الصلت ولا الصلت من ابن مسعود بل لم يدركه أصلا،
وفيه علة أخرى وهي أن جريرا كان يحدث بمصر على التوهم، فذكر ابن حجر في التهذيب عن الأثرم عن أحمد بن حنبل قال:"جرير بن حازم حدث بالوهم بمصر ولم يكن يحفظ"، وأسد الراوي عنه هنا مصري،
ثم هو منكر المتن مضطربه، ومخالف لما رواه الأوثق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بإقراره السبحة مع الإرشاد إلى ترك العد والحساب واللجوء إلى الأدعية الجوامع كما سيأتي .
الجنس الثاني : من رواه بإنكار عدّ التسبيح الجماعيّ بالحصى مع إحصاء ذلك وحصره بعدد:
رواية أولى : قال ابن وضاح في البدع (39): حدثني إبراهيم بن محمد عن حرملة عن ابن وهب قال: حدثني ابن سمعان قال: بلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه رأى أناسا يسبحون بالحصا فقال: على الله تحصون، لقد سبقتم أصحاب محمد علما، أو لقد أحدثتم بدعة ظلما»، وهذا خبر موضوع آفته عبد الله بن زياد بن سمعان اتهمه جماعة بالكذب والوضع، ثم هو معضل لا عبرة به .  
رواية ثانية : رواه بعضهم كذلك لكن مع تعدد الحلق :
قال الدارمي (204) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ نَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى (بن عمرو بن سلمة) قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَال: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاة، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ فَقَال: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا : لاَ ، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعاً ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفاً أَمْراً أَنْكَرْتُهُ ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْراً. قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ، في كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِى أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً ، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً. قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئاً انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ. قَال: أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَال: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيءٌ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِى نَفْسِى فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِي أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِي بَابِ ضَلاَلَةٍ، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ، قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْماً يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِى لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ. ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ"، فنظرنا في هذا الخبر فوجدناه حجة عليهم أيضا لوجوه :
أحدها: أن هذا الحديث منكر وضعيف فيه أربعة علل أو ثلاثة :
فقد تفرد بلفظ ذكر الحصى الحكم بن المبارك وهو صدوق يهم، وقال ابن حجر: عده ابن عدي في ترجمة أحمد بن عبدالرحمن الوهبي فيمن يسرق الحديث ".
العلة الثانية: وهي الأشد، فقد تفرد بالحديث عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني عن أبيه عن جده، وعمرو بن يحي ضعيف وله مناكير، فمن مناكيره ما خرجه أبو يعلى قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثني يحيى بن عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني عن أبيه عن جده عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيس بن مالك الأرحبي: «باسمك اللهم، من محمد رسول الله إلى قيس بن مالك، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته..."، قال الهيثمي من باب "العمال على الصدقة ومالهم منها:" رواه أبو يعلى وفيه عمرو بن يحيى بن سلمة وهو ضعيف"، وقال ابن حجر في المطالب العالية عن هذا الإسناد:" منكر"، وقد قال في التقريب عن عبد الرحمن بن صالح: صدوق، فدل على أن النكارة فيمن دونه وهو عمرو بن يحيى،
فقد ذكر ابن عدي وابن حجر في اللسان من ترجمة عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة عن يحيى بن معين قال: ليس حديثه بشيء قد رأيته"، بينما نقل ابن أبي حاتم ثناء ابن معين عليه، وهذا يعني الثناء عليه في ديانته وصلاحه، أما في حفظه وحديثه فليس بشيء، جمعا بين قولي ابن معين، وقد قال ابن خراش: ليس بمرضي، وذكره ابن عدي في الضعفاء ثم قال: ليس له كبير شيء ولم يحضرني له شيء"،
وأما العلة الثالثة فليست قادحة جدا: وهي أبوه يحيى بن عمرو بن سلمة فقد وثقه العجلي وحده،
وأبوه عمرو بن سلمة: ذكر الخطيب من ترجمته عن يحيى بن معين أن عمرو بن سلمة بن الخرب ليس هو والد يحيى بن عمرو بن سلمة بل هو آخر وقال: في أهل الكوفة رجلان كل واحد منهما يقال له عمرو بن سلمة والله أعلم"، وعمرو بن سلمة بن الحارث وثقه العجلي وابن سعد وفيهما تساهل في توثيق مجاهيل التابعين، فقد ذكره غيرهما بلا جرح ولا تعديل والله أعلم،
والعلة الرابعة هي المخالفة لمجالد وسائر الثقات في المتن كما سيأتي .
والوجه الثاني : أن لمُجيزِ التسبيح الجماعي أن يقول إنما أنكر ابن مسعود عدّ وحصر التسبيح المطلق بمائة، فكره العدَّ فيما لم يأت دليل بالعد فيه كما سبق في الذكر المطلق، لأنه قال لهم: "عُدُّوا سَيِّئَاتِكُم"،  
أو أنه كره ذلك التسبيح والجلبة مع تكويم الحصى في المسجد، الذي ينبغي أن يُنزه من رفع الصوت ولو بالذكر، ورمْي الحجارة فيه ، وهذا منكر فضيع، وأمر شنيع عند الجميع .
والوجه الثالث: يحتمل أن يكون قد نهاهم عن التسبيح الجماعي بالحصى، مع عد ذلك، وهذا يعني أنهم لو سبحوا فرادى لأقرهم على ذلك كما فعل مع المرأة التالية، وأرشدها إلى ما هو أفضل .
والحاصل أن العلة القادحة والأساسية في سند ومتن هذا الحديث هي تفرد عمرو بن يحيى بن سلمة بزيادة ذكر الحصى، وكون القوم من قتلى الخوارج، وقد خالفه غيره فذكر توبتهم، وعمرو ضعيف، ومع ضعفه فقد خالفه أيضا مجالد وهو أوثق منه فروى الحديث بلفظ آخر كما سيأتي:
الجنس الثالث: من رواه بإنكار التسبيح الجماعي بالحصى في المسجد ولو من غير عد وإحصاء:
1. فقال ابن وضاح نا أسد عن عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن عمر عن سيار أبي الحكم أن عبد الله بن مسعود حُدث أن أناسا بالكوفة يسبحون بالحصا في المسجد، فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم بين يديه كومة حصا، قال: فلم يزل يحصبهم بالحصا حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول: « لقد أحدثتم بدعة ظلما، أو قد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما»، وهذا خبر منقطع فيه إنكار التسبيح الجماعي، مع تكويم الحصى في المسجد مما ينافي قدسيته، وهو يرجع إلى طريق عمرو بن سلمة، وليس فيها ذكر الحصى :
الجنس الرابع : من لم يذكر التسبيح بالحصى أصلا، وإنما أنكر التسبيح الجماعي فقط :
رواية أولى : حيث رواه بعضهم بإنكار الحض على إحصاء التسبيح المطلق جماعةً وتقييده بعدد فقط، من غير ذكر للتسبيح بالحصى ولا بغيرها:  وهذا أصح :
فقال الطبراني (9/127): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ عَنْ مُجَالِدِ بن سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بن سَلَمَة قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ بَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَأَتَى أَبُو مُوسَى، فَقَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ بِالرَّحْمَنِ؟ قَالَ: فَخَرَجَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ:"لا وَاللَّهِ إِلا أَنِّي رَأَيْتُ أَمْرًا ذَعَرَنِي وَإِنَّهُ لَخَيْرٌ، وَلَقَدْ ذَعَرَنِي وَأَنَّهُ لَخَيْرٌ، قَوْمٌ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُمْ: سَبِّحُوا كَذَا وَكَذَا، احْمَدُوا كَذَا وَكَذَا"، قَالَ: فَانْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَاهُمْ، فَقَالَ:"مَا أَسْرَعَ مَا ضَلَلْتُمْ وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَاءُ وَأَزْوَاجُهُ شَوَابٌّ، وَثِيَابُهُ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُغَيَّرْ، أَحْصُوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا أَضْمَنُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُحْصِيَ حَسَنَاتِكُمْ"، وهذا خبر رجاله ثقات إلا مجالد فمختلف فيه، فوثقه جماعة وضعفه آخرون، وإنما ذلك بسبب الاختلاط، وقد روى عنه حماد بن زيد قبل ذلك فقوي حديثه :
قال ابن أبي حاتم: نا أحمد بن سنان قال سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول:" حديث مجالد عند الأحداث يحيى بن سعيد وأبى أسامة ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء"، قال أبو محمد: يعنى أنه تغير حفظه في آخر عمره"،
وأما عَمْرو بن سَلَمَة فقد تقدم، فصار الحديث حسنا من غير ذكر الحصى، وكذلك روى الحديث جماعة، لم يذكر أحد منهم التسبيح بالحصى، وإنما ذكروا فيه  :
رواية ثانية : من روى إنكار التسبيح الجماعي بعدد معين، وعلى هيئة معلومة، مع ترغيب الناس بشيء لم يثبت:
فقال ابن وضاح: نا أسد عن الربيع بن صبيح عن عبد الواحد بن صبرة قال: بلغ ابن مسعود أن عمرو بن عتبة في أصحاب له بنوا مسجدا بظهر الكوفة، فأمر عبد الله بذلك المسجد فهدم، ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحا معلوما ويهللون ويكبرون، قال: فلبس برنسا ثم انطلق فجلس إليهم، فلما عرف ما يقولون رفع البرنس عن رأسه ثم قال: أنا أبو عبد الرحمن، ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، أو لقد جئتم ببدعة ظلما، فقال عمرو بن عتبة : نستغفر الله ثلاث مرات، ثم قال رجل من بني تميم : والله ما فضلنا أصحاب محمد علما، ولا جئنا ببدعة ظلما، ولكنا قوم نذكر ربنا، فقال: بلى والذي نفس ابن مسعود بيده، لقد فضلتم أصحاب محمد علما، أو جئتم ببدعة ظلما، والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقا بعيدا ، ولئن جرتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا » الربيع بن صبيح سيء الحفظ، و عبد الواحد بن صبرة مجهول،
وعامة هذه الطرق منقطعة في طبقة التابعين، فلعلها ترجع إلى راو واحد فقط وهو عمرو بن سلمة، وهي أقوى سندا وأكثر عددا من تلك التي زادت النهي عن التسبيح بالحصا، إذ لم يذكرها إلا ضعيف فقط .
فإذ احتمل أن ترجع الطرق السابقة إلى طريق عمرو فقط فقد روى هذا الخبر الأكثر عددا والأوثق ضبطا عن ابن مسعود بإنكاره الجلوس إلى جهلة القصاص الذين يحدثون الناس في الترغيب والترهيب بلا علم، ويحثونهم على التعبد والذكر بجهل، وليس في شيء من هذه الأخبار ولا في تاليتها ذكر لإنكار السبحة أو الحصى أصلا، وإليك رواياتهم  :
الجنس الخامس: من روى إنكار القص والترغيب في الذكر بغير علم، مع تعدد الحلق في المسجد :  
رواية أولى: فيها إنكار ذلك مع التسبيح الجماعي، ليس فيها شيء من ذكر للحصى ولا إنكارها أبدا:
. فقال ابن وضاح نا أسد عن محمد بن يوسف عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة: أن رجلا كان يجمع الناس فيقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة سبحان الله ، قال: فيقول القوم، فيقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة: الحمد لله قال: فيقول القوم قال: فمر بهم عبد الله بن مسعود فقال: «لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم، أو إنكم لمتمسكون بذنب ضلالة »، وهذا منقطع أيضا .
رواية ثانية : رواها عبد الرزاق (ر5409) عن جعفر أخبرنا عطاء بن السائب قال: لا أعلمه إلا عن أبي البختري قال: بلغ عبد الله بن مسعود أن قوما يقعدون من المغرب إلى العشاء يسبحون يقولون: قولوا كذا، قولوا كذا، قال عبد الله: إن قعدوا فآذنوني بهم، فلما جلسوا آذنوه فانطلق إذ آذنوه، فدخل فجلس معهم وعليه برنس، فأخذوا في تسبيحهم فحسر عبد الله عن رأسه البرنس، وقال: أنا عبد الله بن مسعود ، فسكت القوم فقال: لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، قال: فقال رجل من بني تميم: ما جئنا ببدعة ظلماء وما فضلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، فقال عمرو بن عتبة بن فرقد: أستغفر الله يا ابن مسعود وأتوب إليه، قال: فأمرهم أن يتفرقوا، ورأى ابن مسعود حلقتين في مسجد الكوفة فقال: أيتكما كانت قبل صاحبتها؟ فقالت إحداهما: نحن ، قال للأخرى: تحولوا إليهم فجعلها واحدة"، في إسناده جَعْفَر بن سُلَيْمَانَ فيه كلام، وعطاء مختلط وقد شك في حديثه، وأبو البختري لم يسمع من ابن مسعود، وفيه توبة القوم، وغيره فيه مقتلهم مع الخوارج .
رواية ثالثة : رواه بعضهم بإنكار تعدد القصاص ورفع الصوت من الجميع لأنه من التباغي : 
خرج ذلك الطبراني (9/125) عن عبد الرزاق به كما سبق، ثم قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بن حَرْبٍ عَنْ عَطَاءِ بن السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، وَرُبَّمَا قَالَ: عَامِرٍ، قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ، فَقَالَ لِلْغُلامِ: انْطَلِقْ وَانْظُرْ أَهَؤُلاءِ جُلُوسًا قَبْلُ أَمْ هَؤُلاءِ؟ فَجَاءَ، فَقَالَ: هَؤُلاءِ، فَقَالَ:" إِنَّمَا يَكْفِي الْمَسْجِدَ مُحدثٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّبَاغِي", ولم يذكر ما مضى .
وقد ذكره زائدة عن عطاء عن أبي البختري، فقال الطبراني: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن عُمَرَ الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن رَجَاءَ نا زَائِدَةُ عَنْ عَطَاءِ بن السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِعَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا يُجْتَمَعُ إِلَيْهِ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي نُعَيْمٍ"،
وقال عبد الله في الزهد: حدثني أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن فضل عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب وفيهم رجل يقول: كبروا لله كذا وكذا وسبحوا لله كذا وكذا واحمدوا لله كذا وكذا فقال عبد الله: فيقولون ؟ قال: نعم، قال: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم وعليه برنس فجلس فلما سمع ما يقولون قام وكان رجلا حديدا فقال: أنا عبد الله بن مسعود والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما؟ فقال معضد : والله ما جئنا ببدعة ظلماء ولا فضلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، فقال عمرو بن عتبة: يا أبا عبد الرحمن نستغفر الله قال:« عليكم بالطريق فالزموه فوالله لئن فعلتم لقد سبقتم سبقا بعيدا وإن أخذتم يمينا وشمالا لتضلوا ضلالا بعيدا "، وذكر فيه توبة القوم بخلاف حديث الحصى التي ما ذكرها إلا المتهمون .
ورواه حماد عن عطاء لكن جعله عن أبي عبد الرحمن وفيه :
إنكار التسبيح الجماعي وعد ذلك وتقييده مع تخصيص وقت له، ليس فيه ذكر للحصى أيضا، وهذا التقييد للتسبيح المطلق بعدد هو الذي كرهه ابن مسعود :
برهان ذلك ما قاله الطبراني (9/126) حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ نا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بن السَّائِبِ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: كَانَ عَمْرُو بن عُتْبَةَ بن فَرْقَدٍ السُّلَمِيُّ وَمُعَضَّدٌ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِمَا اتَّخَذُوا مَسْجِدًا يُسَبِّحُونَ فِيهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَا، وَيُهَلِّلُونَ كَذَا وَيَحْمَدُونَ كَذَا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ، فَقَالَ لِلَّذِي أَخْبَرَهُ:"إِذَا جَلَسُوا فَآذِنِّي"، فَلَمَّا جَلَسُوا آذَنَهُ فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَكَشَفَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ:"أَنَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظَلْمَاءَ، أَوْ قَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا"، فَقَالَ مُعَضَّدٌ، وَكَانَ رَجُلا مُفَوَّهًا: وَاللَّهِ مَا جِئْنَا ببدعة ظلماءَ وَلا فَضَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ :" لَئِنِ اتَّبَعْتُمُ الْقَوْمَ لَقَدْ سَبَقُوكُمْ سَبْقًا مُبِينًا، وَلَئِنْ جُرْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلالا بَعِيدًا"، هذا خبر رجاله ثقات لكنه منقطع، فقد قال شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن من ابن مسعود"، وعليه فيحتمل أن يرجع إلى طريق عمرو بن سلمة السابقة والتي حدث بها مجالد .
وله متابع في كراهة العد :
فقال أبو بكر: باب من كره عقد التسبيح، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان عبد الله يكره العدد ويقول أيمن على الله حسناته"،
إلا أن خبر عطاء معضل ، ومضطرب للاختلاف فيه على عطاء، فإنه كان من المختلطين : 
. فرواه عنه جعفر بإنكار التسبيح الجماعي ليس فيه ذكر للحصى أيضا، ورواه عنه معمر كما في:
رواية رابعة : فيها إنكار القصّ والترغيب في التسبيح والذكر بلا علم وهو الصحيح المتواتر عنه:
. روى عبد الرزاق من باب ذكر القصاص عن معمر عن عطاء بن السائب قال: سمع ابن مسعود بقوم يخرجون إلى البرية معهم قاص يقول: سبحوا، ثم قال: أنا عبد الله بن مسعود، ولقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما، أو لقد جئتم ببدعة ظلماء، وإن تكونوا قد أخذتم بطريقتهم فقد سبقوا سبقا بعيدا، وإن تكونوا خالفتموهم فقد ضللتم ضلالا بعيدا على ما تعددون أمر الله ".
رواية خامسة : خرجها ابن أبي عمر في مسنده قال: حدثنا هشام بن سليمان حدثنا أبو رافع عن صالح بن جبير قال: وقف ابن مسعود رضي الله عنه على قوم يقص بعضهم على بعض فقال:« والله لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ولقد ابتدعتم بدعة ظلما، اتبعوا ولا تبتدعوا والله لئن اتبعتم لقد سبقتم سبقا بينا، ولئن ابتدعتم لقد ظلمتم ظلما بعيدا، أو قال: ضللتم ضلالا بعيدا» الشك من ابن أبي عمر، وفيه إسماعيل بن رافع ضعيف والخبر منقطع، وله شواهد كثيرة في إنكار الترغيب في العبادات بلا علم:  
رواية سادسة : قال الطبراني (9/125) ثنا عَلِيُّ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بن كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ قَالَ: جَاءَ الْمُسَيِّبُ بن نَجَبَةَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ قَوْمًا بِالْمَسْجِدِ يَقُولُونَ: مَنْ سَبَّحَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: قُمْ يَا عَلْقَمَةُ فَلَمَّا رَآهُمْ، قَالَ: يَا عَلْقَمَةُ اشْغَلْ عَنِّي أَبْصَارَ الْقَوْمِ، فَلَمَّا سَمِعَهُمْ وَمَا يَقُولُونَ، قَالَ: "إِنَّكُمْ لَمُتَمَسِّكُونَ بِذَنَبِ ضَلالَةٍ، أَوَ إِنَّكُمْ لأَهْدَى مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"،
وقال محمد بن وضاح نا موسى بن معاوية عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزرعاء قال :« جاء المسيب بن نجيد إلى عبد الله فقال : إني تركت في المسجد رجالا يقولون: سبحوا ثلاثمائة وستين، فقال : قم يا علقمة واشغل عني أبصار القوم ، فجاء فقام عليهم فسمعهم يقولون فقال: إنكم لتمسكون بأذناب ضلال، أو إنكم لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو نحو هذا"، في إسناده أَبو الزَّعْرَاء عبد الله بن هانئ مختلف فيه، فقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال النسائي والمزي: لا تعرف له رواية إلا عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب ولا يعرف له راو إلا سلمة بن كهيل، وذكره ابن عدي والعقيلي في الضعفاء، بينما وثقه العجلي وابن سعد وابن حبان، وليس في هذا الخبر أن الناس كانوا يسبحون، بل كان يحض بعضهم بعضا على التسبيح، وكان القاص هو الذي يرغبهم في ذلك، ويقيد لهم عددا في التسبيح من عند نفسه، ولهذا الخبر شاهد جيد صحيح :
الرواية السابعة : خرجها عبد الرزاق (3/221) قال باب ذكر القصاص: عن ابن عيينة عن بيان عن قيس بن أبي حازم قال : ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل ويقول للناس: قولوا كذا، قولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، فأخبروه، قال: فجاء عبد الله متقنعا فقال: من عرفني ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد وأصحابه وإنكم لمتعلقون بذنب ضلالة"، ويشهد لذلك كذلك :
الرواية الثامنة : خرجها الطبراني في الكبير (9/127) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن زُهَيْرٍ التُّسْتَرِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِي عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرِو بن زُرَارَةَ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَا أَقُصُّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ:"يَا عَمْرُو لَقَدِ ابْتَدَعْتُمْ بِدْعَةَ ضَلالَةٍ، أَوَ أَنَّكُمْ لأَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ تَفَرَّقُوا عَنِّي حَتَّى رَأَيْتُ مَكَانِي مَا فِيهِ أَحَدٌ"، كذا قال الزبيري وخالفه علي بن صالح في الإسناد،
. فقال الطبراني حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِي حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن صَالِحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أَغَرَّ قَالَ: بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ عَمْرَو بن زُرَارَةَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ يُذَكِّرُهُمْ، فَأَتَاهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: "أنتُمْ أَهْدَى أَمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ إِنَّكُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِطَرَفِ ضَلالَةٍ"،
وقد جاء أيضا من أوجه أخرى ما يدل على أن الذي أنكره ابن مسعود هو القص والتذكير بلا علم، لا التسبيح بالحصى :  
الرواية التاسعة : قال الطبراني: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بن إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَشْعَثَ بن أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنِ الأَسْوَدِ بن هِلالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذَكَرُوا لَهُ رَجُلا يَقُصُّ، فَجَاءَ فِي الْقَوْمِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا"، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَام فَقَال: أَلا تَسْمَعُوا؟ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ، قَالَ:"إِنَّكُمْ لأَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، إِنَّكُمْ لَمُتَمَسِّكُونَ بِطَرَفِ ضَلالَةٍ". هذا خبر صحيح رجاله كلهم ثقات،
رواية عاشرة: قال ابن وضاح: نا أسد بن موسى عن يحيى بن عيسى عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: مر عبد الله برجل يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشرا وهللوا عشرا، فقال عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو أضل، بل هذه بل هذه ، يعني: أضل"،
هذا الترغيب بغير علم ولا دليل، مع تعدد القصاص في المسجد، هو الذي أنكره ابن مسعود وغيره، وبه تواترت سائر الروايات، عن الأئمة والثقات، لا التسبيح بالحصى الذي تفرد به ضعيف مخالفا لرواية الأثبات، فالعجب مل العجب ممن يقبل زيادة منكرة نصرة لهواه، وقد خالف فيعا الضعيف من هم أكثر منه عددا، وأصح سندا، وأحسن منه ثقة وضبطا والله المستعان، فلقد مر وسيأتي إقرار ابن مسعود للمرأة المسبحة بالسبحة وأرشدها إلى ما هو أفضل .
الجنس السادس: من روى عنه جواز السبحة وإقرارها :
1/ قال أبو بكر (7/75) حدثنا عبيدة بن حميد عن هلال بن يساف قال: كانت امرأة من همدان تسبح الله وتحصيه بالحصى أو النوى فمرت على عبد الله فقيل له: هذه المرأة تسبح وتحصيه بالحصى أو النوى، فدعاها فقال لها: أنت التي تسبحين وتحصين؟ فقالت: نعم إني لأفعل، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك، تقولين: الله أكبر كبيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا "، عبيدة بن حميد صدوق، وهلال بن يساف ثقة تابعي كبير أدرك عليا وطبقته فجائز ممكن سماعه من ابن مسعود، ولحديثه شاهد ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه لآخر حديث من جامعه (ر 50) قال:
2. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ذكر له عن امرأة تسبح بخيوط معقَّدة فقال: ألا أدلُّك على ما هو خير لك منه ؟ سبحان الله ملء البرِّ والبحر سبحان الله ملء السماوات والأرض سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البرّ والبحر والسماء والأرض"، وفي قول ابن مسعود للمرأة:" أدلك على خير من ذلك"، لدليل قاطع على جواز السبحة، وإن كانت مفضولة، لأن في قوله :" لا أدلك على خير من ذلك"، لدليل واضح على الجواز، ولو كان ذلك بدعة لأنكره ولرماه، كما سبق من رواية ذلك الضعيف الذي خالف رواية عشرات الثقات . 
ولأن صيغ التفضيل تصح أن تكون بين فاضل وأفضل منه، كما في قوله عليه السلام قال:" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من القوي الضعيف، ففاضل بينهما ثم قال:" وفي كل خير".
كما أن في قوله لها :" أنت التي تسبحين وتحصين"، لبيان واضح منه أنه إنما أرشد المرأة إلى ترك الإحصاء والتسبيح بعدد محصور في الذكر المطلق كما بيناه ، ومن ثم التبيين لهما لما هو أفضل وهو هذا الدعاء الجامع، كما بين ابن رجب في جامعه،
ولما روى إبراهيم أيضا عن عبد الله بن مسعود كراهة العد، حيث قال: كان عبد الله يكره العدد، ويقول: أيمن على الله حسناته ".



المبحث الثالث: من قال بمشروعية السبحة ونحوها، وذكر أدلتهم :
فإذ قد بينا بالبراهين الواضحة وهاء أدلة من خالف السلف وبدّع السبحة فإننا نستعين بعونٍ من الله على إبراز أدلة مشروعيتها فنقول:
المطلب الأول : ذكر السنن التقريرية والأدلة المرفوعة عن النبي عليه السلام :
الدليل الأول : قال أبو داود في سننه: باب التسبيح بالحصى، ر1500 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ حَدَّثَهُ عَنْ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ"،
فأما الكلام عن متن هذا الحديث : فكالكلام في سابقه والذي فيه إقرار التسبيح بالحصى أو النوى مع الإرشاد إلى أن جوامع الكلم أفضل من عد التسبيح بالحصى أو باليد كما بين ابن رجب .
فقال قائلون من متأخري التبديعيين :
هذا أسلوب عربي معروف تأتي فيه صيغة أفعل على غير بابها, كما في قول الله تعالى عن نعيم أهل الجنة: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} "، فأجبته :
بأن في هذا لجهلا بكلام الله وبكلام العرب، ذلك أن أفعل التفضيل تصح أن تكون بين فاضل وأفضل منه :
فمن هذا القبيل حديث ابن عباس عن جويرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بها حين صلى الغداة أو بعدما صلى الغداة وهي تذكر الله عز وجل حتى ارتفع النهار وهي كذلك فقال: «لقد قلت منذ قمت عندك كلمات ثلاث مرات هن أكثر - أو أرجح أو أوزن - مما قلت، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضي نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته»، فهل ستقولون عن ذكر جويرية وعدّها أنه بدعة ضلالة، لوجود هذا التفاضل ؟!
وماذا ستقولون عن حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يذكر الله عز وجل، فقال: «ألا أعلمك كلمات هن أفضل من ذكرك الليل مع النهار؟ سبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملء ما في السموات والأرض، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء كل شيء، والحمد لله مثل ذلك"؟ فهل ستبدعون ذكر أبي أمامة ؟!
ألم تروا أن النبي عليه السلام قال :" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من القوي الضعيف، ففاضل بينهما ثم قال:" وفي كل خير" ؟!
وهكذا في الخبر أن " أفضل الأمة أبو بكر"، فماذا ستقولون عن غيره من الصحابة ؟!...
وأما الكلام عن إسناده: فقد أعله الشيخ الألباني ومن قلده دينه بجهالة خزيمة، وأما الطعن في سعيد بن أبي هلال فليس بشئ، فقد وثقه كل أهل الحديث كما سيأتي، وحسن الخبر عامة السلف وأهل الحديث، واستدلوا به على جواز التسبيح بالحصى ونحوها:
فقال الترمذي في سننه (3568): حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ قَالَ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ"، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ "،
وقال المباركفوري في التحفة: قوله:" هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أبو داود وسكت عنه ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره، وأخرجه النسائي والحاكم وصححه"، وقد سكت عليه أبو داود محسنا له وحسنه الترمذي والمنذري والسيوطي وأقرهم النووي والشوكاني، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وابن تيمية والقاري وخرجه الضياء في المختارة1011 مصححا له، وحسنه ابن حجر في النتائج (1/77) وما بعدها ثم قال:" ولأصل حديث سعد شاهد من حديث أبي أمامة"، وقال الحافظ أيضا فى النتائج(1/ 79):"  رجاله رجال الصحيح إلا خزيمة فلا يعرف نسبه ولا حاله ولا روى عنه إلا سعيد ذكره ابن حبان فى الثقات كعادته فى من لم يجرح ولم يأت بمنكر"،
فهذا الحديث بهذا الإسناد فيه خزيمة وهو غير معروف، وهذه العلة عمدة الألباني في تضعيفه لهذا الحديث، لكن قد ورد من غير ذكرٍ لخزيمة أيضا :
فقد روى هذا الحديث كل من أحمد بن صالح ويونس ورواية عن أحمد بن الحسن عن أصبغ بن الفرج عن عبد الله بن وهب بذكر خزيمة، وخالفهم هارون بن معروف وحرملة بن يحيى ورواية عمر بن الخطاب عن أصبغ بن الفرج ثلاثتهم عن ابن وهب من غير ذكر لخزيمة:
2. أما رواية عمر بن الخطاب فخرجها البزار في مسنده ر1201 قال: حدثنا عمر بن الخطاب نا أصبغ بن الفرج نا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد عن أبيها أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل ؟ قالت: نعم قال: قولي سبحان الله عدد ما خلق في السماء... "، الحديث، قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد "، وقد توبع ابن الخطاب متابعتين أخرتين:
3. فقال أبو يعلى في مسنده(2/66) 710 حدثنا هارون بن معروف حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى وحصى تسبح فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل ؟ قولي سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا قوة إلا بالله مثل ذلك"، هذا حديث رجاله ثقات، وقد توبع هارون بن معروف متابعة تامة:
4. قال ابن حبان في صحيحه أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وفي يدها نوى أو حصى تسبح به فقال لها: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل..."، الحديث كما في موارد الضمآن (ص579) وقد صححه ابن حبان، وتوبع عليه عبد الله بن محمد:
5. فقال الحاكم في مستدركه (1/732) حدثناه إسماعيل بن أحمد الجرجاني ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني ثنا حرملة بن يحيى نا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن أبيها أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة و بين يديها نوى أو حصى أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ قولي سبحان الله عدد ما خلق في السماء سبحان الله عدد ما خلق في الأرض سبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا قوة إلا بالله مثل ذلك"، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، فإن كل رجاله ثقات، وسعيد بن أبي هلال هو الليثي أبو العلاء المصري، قال عنه الحافظ ابن حجر في اللسان: " ثقة ثبت ضعفه ابن حزم وحده "، وذكر في التهذيب أنه اعتمد على قول أحمد أنه كان يخلط في الأحاديث، بينما وثقه كل أئمة الحديث، وخرج له الشيخان في صحيحيهما، ومن طريق عمرو بن الحارث عنه، وقال ابن سعد: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الساجي: صدوق، وذكره ابن حبان في المشاهير وقال:" كان أحد المتقنين وأهل الفضل في الدين، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن حجر في التهذيب: ووثقه ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب وابن عبد البر وغيرهم"، وقال ابن حجر في مقدمة الفتح: وثقه ابن سعد والعجلي وأبو حاتم وابن خزيمة والدارقطني وابن حبان وآخرون، وشذ الساجي فذكره في الضعفاء ونقل عن أحمد بن حنبل أنه قال ما أدري أي شيء حديثه يخلط في الأحاديث، وتبع أبو محمد بن حزم الساجي فضعف سعيد بن أبي هلال مطلقا ولم يصب في ذلك"، وقال البزار عن إسناد فيه سعيد:" يحيى بن محمد بن أبي حكيم رجل من أهل المدينة ليس به بأس وما بعده وقبله يستغنى عن صفتهم بشهرتهم"، وكذا صحح له الحاكم على شرط الشيخين ويوافقه الذهبي، ولا يعلم عن أحد أنه رماه بالاختلاط، وفرق بين أن يقول أحمد أنه كان يخلط، وبين القول بأنه مختلط، والعبرة بقول الجمهور، والجرح في الثقات لا بد له من دليل، ولا يحل الطعن فيمن أجمع على ثقته أهل الحديث بتتبع الأقوال الشاذة، وإلا فلم يخل من الطعن إمام، على أن الشيخين قد خرجا لسعيد من رواية عمرو عنه .
وإذ ذلك كذلك فالحديث صحيح كما قال أهل الحديث، والطريق من غير ذكر خزيمة محفوظة أيضا من رواية الثقات.
فإن قال قائل: لا يعرف لسعيد بن أبي هلال من عائشة بنت سعد سماعا أو رواية، لأن المزي لم يذكره في الرواة عنها، والجواب: أن هذه دعوى باطلة لأمور:
أحدها أن البزار قد ذكره في الرواة عنها كما سيأتي، ومن علم حجة على من لم يعلم،
ثم أن المزي لم يدع الاستعاب، بل إن ابن حجر وغيره قد صرحوا أن المزي لم يستوعب في كتابه كل الرواة عن شيخ معين بل ذكر من ذلك الكثير،
والأمر الرابع: أن المعاصرة مع إمكان اللقي كاف في ثبوت الإتصال وهذا متوفر ههنا لأن سعيدا معاصر لعائشة بنت سعد فقد أدرك من حياتها سبعا وأربعين سنة كاملة، وسعيد ولد بمصر ثم نشأ في المدينة ورجع إلى مصر، وعائشة مدنية، فلا شك في سماعه منها فاتصل الحديث على مذهب مسلم، فيكون سعيد قد سمع الحديث مرة بواسطة خزيمة عنها، ومرة سمعه منها مباشرة:
ومما يؤكد روايته عنها أن البزار ذكر في مسنده(ر1201) أن له رواية عنها فقال: ومما روى سعيد بن أبي هلال عن عائشة عن أبيها، ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب نا أصبغ بن الفرج نا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عائشة بنت سعد بالحديث،
فإذ ذلك كذلك فالحديث صحيح متصل على مذهب مسلم، ولذلك صححه الترمذي وابن حبان والحاكم والذهبي والضياء وابن تيمية وابن حجر والسيوطي،
ولهذا الحديث شواهد أخرى تؤكد صحته منها حديث أبي هريرة وصفية الذي فيه تعيين المرأة السابقة :
الدليل الثاني:  قال ابن عدي في الكامل من ترجمة هاشم بن سعيد: ثنا إبراهيم بن محمد بن سليمان الهاشمي ثنا عمرو بن علي ثنا يزيد بن مغلس بن عبد الله بن يزيد الباهلي وكان من الثقات ثنا هاشم بن سعيد ثنا كنانة بن نبيه مولى صفية قال سمعت صفية بنت حيي تحدث قالت:" وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسبح بنوى فقال: يا بنت حيي: قد سبحت منذ قمت على رأسك بأكثر من هذا، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله علمني كيف قلت؟ قال: سبحان الله عدد ما خلق وعدد كل شيء"، تابعه شاذ بن فياض وعبد الصمد عن هاشم:
فقال الطبراني في الدعاء باب ما جاء في الجوامع من التسبيح (ر1739) حدثنا معاذ بن المثنى ثنا شاذ بن الفياض ثنا هاشم بن سعيد عن كنانة عن صفية رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة ألف نواة أسبح بهن فقال:« يا بنت حيي ما هذا ؟ فقلت: أسبح بهن، فقال:«قد سبحت منذ قمت على رأسك بأكثر من هذا» قلت : فعلمني يا رسول الله، قال:« قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء»،
وقال الترمذي في سننه 3554 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا هَاشِمٌ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنِي كِنَانَةُ مَوْلَى صَفِيَّةَ قَال سَمِعْتُ صَفِيَّةَ تَقُولُ:"دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، فَقَالَ: لَقَدْ سَبَّحْتِ بِهَذِهِ أَلَا أُعَلِّمُكِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَبَّحْتِ بِهِ فَقُلْتُ بَلَى عَلِّمْنِي فَقَالَ قُولِي سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ"، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيِّ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمَعْرُوفٍ وَفِي الْبَاب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"،
فأعله الترمذي بهاشم بن سعيد وكذلك فعل الألباني في الضعيفة، وهاشم هذا قد وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين وغيره، لكنه قد توبع، لذلك صحح الحديثَ الحاكمُ والذهبي ولا عجب في ذلك، فقد حسنه أيضا جماعة منهم الحافظ ابن حجر ثم قال في النتائج (1/79):" كنانة هو مولى صفية التي روى عنها، وهو مدني روى عنه خمسة أنفس وذكره ابن حبان فى الثقات وأبو الفتح الأزدي في الضعفاء، وهشام بن سعيد الراوى عنه كوفي، قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد: لا أعرفه، و قال أبو حاتم الرازى: ضعيف، وقال أبو أحمد بن عدى: لا يتابع على حديثه"، ثم قال ابن حجر (1/80):
" قد توبع على هذا الحديث وبقية رجال الترمذي رجال الصحيح"، وهما متابعتان قويتان لهاشمِ بنِ سعيد أحدهما تامة والأخرى قاصرة كما سيتبين :
2. أما عن المتابعة التامة لهاشم فخرجها ابنُ عدي في الكامل من ترجمة هاشم بن البريد، قال: أخبرنا ابن شهريار ثنا محمد بن صدران ثنا سلم ثنا هاشم بن البريد ثنا كنانة سمع صفية قالت:" أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسبح بأربعة آلاف نواة قالت: فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لقد قلت كلمة هي أكثر من تسبيحك هذا، قالت: قلت أي كلمة يا رسول الله، قال: سبحان الله عدد ما خلق كذا"،
هذا حديث حسن كل رجاله من أهل الحفظ والصدق، ابن شهريار هو محمد بن الحسين بن شهريار قال حمزة في سؤالاته سألت عنه الدارقطني فقال: لا بأس به، وقال ابن الجزري في طبقات القراء:" محدث ثقة..."، ثم نقل عن الداني قوله فيه:" مشهور من أصحاب الحديث"، وقد ذكر الخطيب والباجي والذهبي أنه راوي كتاب التاريخ والرجال عن عمرو الفلاس وأهل العلم بالحديث يعتمدون على هذا الكتاب في نقلهم لأقوال الفلاس في الرجال، وهذا منهم توثيق له، بينما قال الإسماعيلي سمعت عبد الله بن ناجية يكذبه بقوله روى عن سليمان بن تولة، وقد مات قبل أن يسمع منه"، وهذا التكذيب بمعنى التخطئة فقط فيما يرويه عن سليمان خاصة، وإلا فابن شهريار قد وثقه الدارقطني والداني وابن الجزري وعظم الرواية عنه ابن الأسود، واحتج به الأئمة، وأما محمد بن صدران فثقة صدوق، وسلم هو ابن قتيبة صدوق، وهاشم بن البريد ثقة، فلم يبق التفرد إلا من جهة كنانة، وقد قال عنه ابن حجر:"كنانة مولى صفية يقال اسم أبيه نبيه مقبول، ضعفه الأزدي بلا حجة "، بينما قال عنه العجلي في الثقات: مدني تابعي ثقة، ووثقه ابن حبان، وهذا الأليق به لكونه مولى زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كن نساء النبي صلى الله عليه وسلم إنما يخترن من مواليهن العدول، لذلك قال الألباني في الضعيفة (ر83) متعقبا على ابن حجر: بل كنانة صدوق،
وأما عن فقهه فقد قال المباركفوري في التحفة:" قال القارى: هذا الحديث أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره صلى الله عليه وسلم فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يُعد به، ولا يُعتد بقول من عدها بدعة "اه،
ومع ذلك فلم يتفرد كنانة بالحديث، فقد تابعه عليه أيضا يزيد بن معتب متابعة تامة وهو كذلك مولى لأم المؤمنين:
3. فقال الطبراني في الأوسط (5/333) والدعاء: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا أبي قال: وجدت في كتاب أبي حدثنا مستلم بن سعيد عن منصور بن زاذان عن يزيد بن معتب مولى صفية عن صفية بنت حيي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وبين يديها كوم من نوى، فسألها:« ما هذا ؟» فقالت: أسبح به يا رسول الله، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لقد سبحت منذ قمت عنك أكثر من كل شيء سبحت»، فقالت: كيف قلت ؟ قال:« قلت: سبحان الله عدد ما خلق »، وهذا طريق رجاله ثقات إلا يزيد بن معتب فالله أعلم بحاله، وكونه مولى لزوج النبي صلى الله عليه وسلم مما قد يرفع من شأنه، فقد ذكر الحافظان المزي وابن حجر من ترجمة أم المؤمنين صفية رضي الله عنها أنه قد روى عنها مولاها كنانة ومولاها الآخر يزيد بن معتب، وأما محمد فهو ابن الحافظ عثمان بن محمد بن إبراهيم قال عنه الخطيب:" كان كثير الحديث واسع الرواية ذا معرفة وفهم وله تاريخ كبير، وقال صالح بن علي:" ثقة، وقال عبدان:" ما علمنا إلا خيرا كتبنا عن أبيه المسند بخط ابنه الكتاب الذي يقرأ علينا"، وأثنى عليه أبونعيم وقد وقعت بينه وبين مطين خصومة فتكلم كل منهما في صاحبه، قال أبونعيم:" الصواب الإمساك عن القبول عن كل واحد منهما في صاحبه، وقال السمعاني في الأنساب:"كان كثير الحديث واسع الرواية، ذا معرفة وفهم وإدراك، وله تاريخ كبير في معرفة الرجال"، وقال الذهبي في العلو:" محدث الكوفة في وقته وقد تكلم فيه"، وأثنى عليه ابن القيم في قصيدته ووصفه بالنجم بل بالشمس فقال:
  واقرأ كتاب العرش للعبسي* وهو محمد المولود من عثمان
 واقرأ لمسند عمه ومصنف * أتراهما نجمين بل شمسـان،
ومن حاول الطعن في هذا الإمام، فأقول له دونك، فلم يُنقل الطعن فيه إلا عن مبتدع غاو، أو ثقة لكن في الإسناد إليه ساقط هاو،
فقد روى الخطيب تكذيب البعض له لكن بإسناد لا يثبت، فقال أخبرنا علي بن محمد بن الحسين الدقاق قرأنا على الحسين بن هارون عن أبى العباس بن سعيد قال سمعت عبد الله بن أسامة الكلبي يقول محمد بن عثمان كذاب، ثم ساق بهذا الإسناد عن جماعة في تكذيبهم لمحمد بن عثمان كلها من طريق أبي العباس بن سعيد، وهو رافضي زائغ من كبار حفاظ الشيعة وأئمتهم، قال عنه ابن الدمياطي في المستفاد:" روى المنكرات والمنقطعات عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل أهل البيت"، وأنكر على الخطيب في إيراده كلام ومرويات ابن عقدة في الطعن في رجال من أئمة أهل السنة كمحمد بن عثمان وغيره، بل وحتى في الصحابة، بينما كان ابن عقدة يثني على الروافض الكذابين، كما فعل في أبي مريم حيث قال ابن عدي:" وإنما مال إليه ابن عقدة هذا الميل لإفراطه في التشيع"، وابن عقدة لم يسلم من لسانه حتى الصحابة فكيف بغيرهم، فقد قال حمزة في سؤالاته للدارقطني: سمعت أبا عمر بن حيويه يقول: كان أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة في جامع براثا يملي مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال الشيخين يعني أبا بكر وعمر"، وما كان هذا سبيله فلا يقبل نقله في الطعن في أئمة إمام السلف، لذلك قال حمزة في سؤالاته سألت أبا بكر بن عبدان عن ابن عقدة إذا حكى حكاية عن غيره في الشيوخ في الجرح هل يقبل قوله؟ قال: لا يقبل، وقال الخطيب:" فيما يرويه أبو العباس بن سعيد من جرح نظر"، ثم أنه منكر الحديث متهم عند الأكثر، فقد نقل البرقاني عن الدارقطني أن ابن سعيد كثير المناكير، وقال:هو رجل سوء، واتهمه عبد الله بن عدي الجرجاني وقال سمعت عبدان الأهوازي يقول: ابن عقدة قد خرج من معاني أهل الحديث يجب ألا يُذكر معهم"، وقال الذهبي في العبر: "ضعّفوه واتّهمه بعضهم بالكذب"، وإنما أطلت الكلام قليلا في ترجمة محمد حتى لا يغتر البعض فيطعن في هذا الإمام السني، لكلام إمام رافضي،نصرة لمذهب التبديع والله المستعان،
وإلا فإن عثمان بن محمد حافظ كبير معروف، وأبوه ثقة أيضا، ومستلم بن سعيد هو ابن أخت منصور بن زاذان وثقه ابن شاهين، ونقل عن يزيد بن هارون أنه أثنى عليه، وقال ابن معين: صالح، وقال أحمد: شيخ ثقة، وقال الذهبي وابن حجر:" صدوق، ولهذا الحديث شواهد قد سبقت وسيأتي باقيها وهو تسبيح أبي هريرة رضي الله عنه بالحصى في زمن النبي عليه الصلاة وأزكى السلام،  
وقد احتج أئمة الحديث بهذا الحديث وما قبله على جواز الحصى أو السبحة وهو ظاهر من تبويباتهم، وكذلك استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والسيوطي والقاري والمناوي وغيرهم،
وقال ابن حجر: والروايات بالتسبيح بالنوى والحصى كثيرة عن الصحابة وبعض أمهات المؤمنين بل رآها صلى الله عليه وسلم وأقرها عليه، وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة"،
ونقله القاري في المرعاة ثم قال:" قيل وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من المسبحة، وقيل إن أمن الغلط فهو أولى وإلا فهي أولى"،
وقال المناوي في شرحه حديث "عليكن بالتسبيح والتكبير واعقدن بالأنامل :" وهذا أصل في ندب السبحة المعروفة وكان ذلك معروفا بين الصحابة فقد أخرج عبد الله بن أحمد أن أبا هريرة كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به،
وقال الشوكاني في النيل2/166: وَالْحَدِيثَانِ الْآخَرَانِ يَدُلَّانِ عَلَى جَوَازِ عَدِّ التَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَكَذَا بِالسُّبْحَةِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمُ إنْكَارِهِ، وَالْإِرْشَادُ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ وقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ آثَارٌ "، وحتى الألباني أقرّه على هذا الفهم لكنه اشترط صحة الحديث، فما بال القوم يخالفون الأئمة في فهم الحديث ؟!
وقال المباركفوري: "وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ عَدِّ التَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى اِمْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ صَفِيَّةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، الْحَدِيثَ"،
وكذلك استدل به على جواز السبحة عامة أئمة المذاهب من حنفية وشافعية ومالكية وغيرهم كما هو مسطر في كتبهم ومتونهم الفقهية .
وخالف مخالفون كل السلف في الفهم والمذهب، بسبب عمى التقليد والتعصب، فأتوا بما يُضحك منه ويُتعجب، واحتجوا بحجج من المحال، وأبعد من الضلال، فقالوا لنا بالجدال:
لا يدل هذا الحديث على إقرار السبحة، بل يدل على إنكارها، بدليل رواية:" ما هذا يا صفية"، فقالوا أن هذا استفهام إنكاري .
وليس كما ظنوه لوجوه :
أحدها أن هذا الفهم مخالف لفهم كل السلف، ولم يقل به أحد منهم، ومن ادعى خلاف هذا فليسنده ومن أي الكتب أخذ فليبينه، وإلا فليربح العناء، ولينل بغبائه الشقاء، بمخالفته السلف الأذكياء، وزيادة في إبطال هذا الفهم المُحْدث أقول :
لقد تفرد بهذه الزيادة [ما هذا يا صفية] شاذ بن فياض وهو مختلف في توثيقه، ولم يذكرها غيره من الثقات، ولو صحت زيادته لكانت مجرد سؤال استفهامي منه عليه السلام عما تفعل به أمنا بهذه النوى، فلما أخبرته أنها تسبح بها، لم ينهها ولم ينكر عليها ولا قال أن هذا بدعة كما يفترون، ثم إنه ما أرشدها إلى عقد التسبيح بالأنامل، بل إنها أرشدها إلى الأفضل من العدّ كله، وهو تلك الأدعية الجوامع، ولم يأت عن أحد من السلف أنه قال أن هذا استفهام إنكاري وأن الحصى بدعة، بل كل السلف قد استدلوا بهذا الحديث على مشروعية السبحة،
يؤيد ما ذكرت من أنه مجرد سؤال استفهامي فهم السلف، وللرواية التي عند الطبراني من طريق يزيد بن معتب عن صفية بنت حيي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وبين يديها كوم من نوى، فسألها:« ما هذا ؟» فقالت: أسبح به يا رسول الله، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لقد سبحت منذ قمت عنك أكثر من كل شيء سبحت»، فقالت: كيف قلت ؟ قال:« قلت: سبحان الله عدد ما خلق »،  
فلما أبطلنا لهم هذا الاستدلال الهاوي، ولم يقنعهم كلام السلف الماضي، أصرّوا على تلك الحجة الأسخف منها فقالوا:
إن قوله عليه السلام: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك"، فيه تخيير، والتخيير والمفاضلة في كلام العرب لا يكونان إلا بين خير وشر، وكذبوا في ذلك على العرب، وأتوا بكل العجب، لأن التفاضل يصح أن يكون بين فاضل وأفضل منه كما بينا ولا نعيد .
وليس فيه وما يشبهه إلا كما قال السلف من تفضيل للأدعية الجوامع، على الأدعية والأذكار المحصورة بعدد، أو المكررة عدة مرات، سواء أكانت بحصى أم باليد، فدل ذلك على عدم التعرض للحصى أصلا، وهذا عين ما بوب به الطبراني لما قال:" باب في الأدعية الجوامع" ثم أورد الحديث،
وكذا قال ابن رجب الحنبلي في جامعه من شرحه للحديث الخمسين:" فصل:" قد ذكرنا في أوَّل الكتاب أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بُعِثَ بجوامع الكلم، فكان صلى الله عليه وسلم يُعجِبُه جوامع الذكر، ويختاره على غيره من الذكر، كما في صحيح مسلم..."، ثم ذكر حديث جويرية وحديث سعد وصفية في التسبيح بالحصى.. ثم ذكر حديث ابن مسعود وذكر له امرأة تسبح بخيوط معقَّدة، فقال: ألا أدلُّك على ما هو خير لك منه؟ سبحان الله ملء البرِّ والبحر، سبحان الله ملء السماوات والأرض، سبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البرّ والبحر والسماء والأرض"، إلى أن أورد حديث عن عائشة قالت: كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يُعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك"، ثم ذكر الأدلة على تفضيل الأدعية الجوامع على غيرها، فهل عند هؤلاء أن كل الأدعية الأخرى بدعة وضلالة، أم فسق ونذالة، والله المستعان :
دليل ثالث: خرجه الديلمي في مسند الفردوس (4/ 98) المختصرـ قال: أنا عبدوس بن عبد الله أنا أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الثقفي ثنا علي بن محمد بن نصرويه ثنا محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي حدثني عبد الصمد بن موسى حدثتني زينب بنت سليمان بن علي حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعا:" نعم المذكر السبحة وإن أفضل ما يسجد عليه الأرض وما أنبتته الأرض"، في إسناده محمد بن هارون له مناكير كثيرة قاله الخطيب، وضعفه الدارقطني،
وفيه عبد الصمد فقد نقل الذهبي وابن حجر عن الخطيب قوله:"ضعفوه، وقال الحافظ:" يروي مناكير عن جده محمد بن إبراهيم الإمام، ثم قالا:" وقول الخطيب فيه ما هو في تاريخه، قال ابن حجر: ونقله عنه ابن الجوزي فيحرر"،
وفي الإسناد أم الحسن وهي بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الله أعلم بحالها وكذا أبوها، وإنما ذكرت هذا الحديث لجمع ما في الباب.
دليل رابع: خرجه حمزة الجرجاني في تاريخ جرجان من ترجمة أبي سعيد أحمد بن عراق بن أحيد بن إسحاق الخوارزمي، وقال عنه: قدم جرجان وحدث بها ومات بها، ثم قال:أخبرني أبو سعيد أحمد بن عراق بن أحيد حدثنا أبو علي شعبة حدثنا أحمد بن الخليل بن عبد الله بن مهران الحافظ حدثنا صالح بن علي النوفلي حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي حدثنا ابن المبارك عن سفيان الثوري عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح بالحصى"، أبو علي هو الحسين بن علي الحافظ الكبير، وأحمد بن الخليل قال عنه الدارقطني: ليس بالقوي، وهذا تليين يسير، بينما وصفه أبو علي الناقد بالحافظ، وهو شيخه ومن أعلم الناس به، فعلة هذا الحديث القدامي وهو ساقط لا يحتج به، وقد خالفه الثقات فجعلوا التسبيح بالحصى من فعل أبي هريرة رضي الله عنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهو :
الدليل الخامس: قال ابن أبي شيبة (2/161) باب في عقد التسبيح وعدد الحصى حدثنا ابن علية عن الجريري عن أبي نضرة عن رجل من الظفار قال: نزلت على أبي هريرة ومعه كيس فيه حصى أو نوى، يقول سبحان الله سبحان الله حتى إذا نفد ما في الكيس ألقاه إلى جارية سوداء فجمعته ثم دفعته إليه"، اختصر الحديث أبو بكر واقتصر منه على محل الشاهد، وفيه راو مبهم وقد عين، واسمه الطفاوي وقد حسن حديثه هذا الترمذي :  
فقال في سننه(2787)  حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ"،
ثم قال:حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ(ابن علية) عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ الطُّفَاوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ"، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ الطُّفَاوِيَّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا نَعْرِفُ اسْمَهُ وَحَدِيثُ إِسْمَعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ"، وقد مضى شيء من رواية اسماعيل بن إبراهيم بن علية التي أشار إليها الترمذي،
وخرجها بطولها أحمد بن حنبل فقال في مسنده (2/540) حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن رجل من الطفاوة قال: نزلت على أبي هريرة قال ولم أدرك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه فبينما أنا عنده وهو على سرير له وأسفل منه جارية له سوداء ومعه كيس فيه حصى ونوى يقول سبحان الله سبحان الله حتى إذا أنفذ ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فجعلته في الكيس ثم دفعته إليه فقال لي ألا أحدثك عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت بلى قال فإني بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال من أحس الفتى الدوسي...."، فذكر الحديث بطوله، ولم يتفرد به ابن علية :
فقال أبو داود في سننه (2174) حدثنا مسدد ثنا بشر ثنا الجريري ح وحدثنا مؤمل ثنا إسماعيل ح وثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد كلهم عن الجريري عن أبي نضرة قال حدثني شيخ من طفاوة قال:" تثويت أبا هريرة بالمدينة فلم أر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه فبينما أنا عنده يوما وهو على سرير له ومعه كيس فيه حصى أو نوى وأسفل منه جارية له سوداء وهو يسبح بها، حتى إذا نفد ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فأعادته في الكيس فدفعته إليه، فقال: ألا أحدثك عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى قال:" بينا أنا أوعك في المسجد إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد فقال:"من أحس الفتى الدوسي ؟ ثلاث مرات، فقال رجل: يا رسول الله هو ذا يوعك في جانب المسجد، فأقبل يمشي حتى انتهى إلي فوضع يده علي فقال لي معروفا فنهضت فانطلق يمشي حتى أتى مقامه الذي يصلي فيه..."، الحديث بطوله،
قال أبو داود :" من ههنا حفظته عن مؤمل وموسى:" ألا لا يفضين رجل إلى رجل ولا امرأة إلى امرأة إلا إلى ولد أو والد"، قال أبوداود: وذكر ثالثة فأنسيتها، وهو في حديث مسدد، ولكني لم أتقنه كما أحب، وقال موسى ثنا حماد عن الجريري عن أبي نضرة عن الطفاوي"اه،
وقد ضبط وأتقن هذا الحديث ابن أبي عاصم والبغوي والحسن بن سفيان وفي روايتهم تعيين الراوي المبهم من الطفاوة وهو صحابي واسمه الطفاوي رضي الله عنه فصح الحديث، وقد أعله بعضهم بدعوى أن الطفاوي غير معروف، وقد حسن حديثه الترمذي، وعرفه غيرهم، ومن عرف حجة على من لم يعرف، فإن الطفاوي قد ذكره ابن أبي عاصم في الصحابة كما سيأتي، وكذلك ذكره أبو نعيم في الحلية، ومما قد يشهد لصحبة الطفاوي ما خرجه أحمد في مسنده (5/67) بإسناد صحيح عن حميد بن هلال قال: كان رجل من الطفاوة طريقه علينا فأتى على الحي فحدثهم قال: قدمت المدينة في عير لنا فبعنا بياعتنا ثم قلت: لأنطلقن إلى هذا الرجل فلآتين من بعدي بخبره قال فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يرينى بيتا..."،
وقد ذكر أبو نعيم من ترجمته: أنه صحابي من أهل الصفة فقال: "الطفاوي الدوسي، وذِكرُ الطفاوي الدوسي في أهل الصفة، قال: وقاله أبو نضرة"، ثم استدل على صحبته بحديث الباب:
فقال أبو نعيم: حدثنا أبو عمرو بن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن الطفاوي قال: قدمت المدينة فثويت عند أبي هريرة شهراً، فأخذتني الحمى فوعكت، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فقال:" أين الغلام الدوسي؟ فقيل: هو ذاك موعوك في ناحية المسجد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال معروفاً"، وهذه الرواية صحيحة متصلة كل رجالها أئمة ثقات، وهي تؤكد صحبة الطفاوي، وجعل فيها الحسن بن سفيان وهو من الثقات حصول الوعك للطفاوي، وتابعه على الحديث ابن أبي عاصم والبغوي ثلاثتهم عن هدبة به لكن جعل الأخيران حصول الوعك لأبي هريرة:
فأما رواية ابن أبي عاصم فخرجها في الآحاد والمثاني(5/223) من ترجمة الطفاوي رضي الله عنه فقال: ثنا هدبة بن خالد نا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن الطفاوي رضي الله عنه قال: قدمت المدينة فثويت عند أبي هريرة رضي الله عنه شهرا، فأخذته الحمى فوعك فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فقال: أين الغلام الدوسي؟ فقلنا: هو ذاك هو موعوك في ناحية المسجد ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي معروفا، فقال: إن أنساني الشيطان من صلاتي شيئا فليسبح الرجال وليصفق النساء ثم قام في الصلاة وخلفه صف من النساء وصف من الرجال أو صفان من الرجال وصف من النساء، قال: فلما قضى صلاته، قال: ألا هل رجل يغلق بابا ويرخي سترا فيقول فعلت بامرأتي وفعلت، فقامت جارية فقالت: أي والله ليقولون ذاك والله إنهن ليقلن، قال: أفلا أحدثكم بمثل ذلك، قالوا: وما مثله؟ قال: كمثل شيطان لقي شيطانه في الطريق فوقع عليها والناس ينظرون، وقال:" لا تباشر المرأة المرأة ولا يباشر الرجل الرجل إلا الوالد والولد، ثم قال: ألا إن طيب الرجل ريح لا لون له وطيب النساء لون لا ريح له، وكان لأبي هريرة رضي الله عنه مكوك نوى يسبح به
هذا حديث صحيح متصل كل رجاله أئمة ثقات ولجميع متنه شواهد، والجريري هو سعيد بن إياس ثقة ثبت اختلط بأخرة، وحماد بن سلمة ممن روى عنه قبل الاختلاط، فقال العجلي في ثقاته:" بصري ثقة واختلط بآخره روى عنه في الاختلاط يزيد بن هارون وابن المبارك وابن أبي عدي... إنما الصحيح عنه حماد بن سلمة والثوري وشعبة وابن علية"،
نقله ابن حجر في التهذيب وأقره، وقال الآجري عن أبي داود:" أرواهم عن الجريري ابن علية، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري جيد"، وحماد قد أدرك أيوب، وظاهر هذه الرواية أن أبا هريرة كان يستعمل السبحة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فكان إقرارا، والطفاوي أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ثوى عند أبي هريرة، وقد أخبر أنه كان يراه يسبح بالحصى .
. وأما رواية البغوي عن هدبة فخرجها ابن عساكر (67/327) من طريق عبيد الله بن محمد بن إسحاق نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز نا هدبة نا حماد عن الجريري عن أبي نضرة عن الطفاوي بنحوه.
فها قد روى الثقات بأصح الأسانيد أن بَدْأَ التسبيح بالحصى كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله خير الناس وهو حافظ الأمة أبو هريرة والطفاوي رضي الله عنهما، وهم يقولون من غير ورعٍ أنه بدأ في عهد الزنادقة وبتدبير منهم !.
وبهذا الحديث الصحيح مع حديث سعد وصفية تبين لنا يقينا أن أصل التسبيح بالحصى ونحوها قد بدأ في عهد النبي عليه السلام، كما قال الكتاني :" والصواب أن اتخاذ السُّبْحَة ونحوه لِعَدِّ الذكر, ثبت عن الصحابة في حياته عليه السلام وبعده,.."، نقله عنه الشيخ بكر أبو زيد في رسالته " تاريخ السبحة.
المطلب الثاني: ذكر ما جاء في التسبيح بالسبحة أو الحصى عن الصحابة رضي الله عنهم:
الأثر الأول : حيث استمر حافظ الأمة على التسبيح بالسبحة حتى بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم:
فقال الذهبي في تذكرة الحفاظ من ترجمة أبي هريرة:" وروى زيد بن الحباب عن عبد الواحد بن موسى نا أبو نعيم بن المحرر بن أبي هريرة عن جده أنه كان له خيط فيها ألفا عقدة لا ينام حتى يسبح به"،
وقال الشوكاني: أَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَيْطٌ فِيهِ أَلْفُ عُقْدَةٍ فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ "،
وقال ابن كثير في البداية والنهاية (8/120):" وروى عبد الله بن أحمد عن أبي هريرة: أنه كان له خيط فيه اثنا عشر ألف عقدة يسبح به قبل أن ينام، وفي رواية ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وهو أصح من الذي قبله"،
وكذلك ذكره ابن الجوزي والذهبي في ترجمته، فأهل العلم يجعلون هذا من محاسنه، وأنتم تجعلون هذا من مساوئ بدعه، عياذا بالله،
وقال أبو نعيم في الحلية (1/383) حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا الحسن بن الصباح ثنا زيد بن الحباب عن عبد الواحد بن موسى أخبرني نعيم بن المحرر بن أبي هريرة عن جده أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به"، رجاله من أهل الصدق إلا ابن المحرر فالله أعلم بحاله، وقد توبع كما مضى،
وأما عبد الواحد بن موسى فقال عنه أبوحاتم: صالح [صدوق]، ووثقه ابن حبان،
وقال الشوكاني: وَأَخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ بِالنَّوَى الْمَجْمُوعِ "، ولم أجده، وفيما مضى من صحيح عن أبي هريرة غنية عنه، فما كان جواب المبدعين للسبحة إلا أن قالوا: إن هذا اجتهاد من أبي هريرة، فقلنا لهم: فهل اجتهادكم أنتم أفضل من اجتهاد هذا الصحابي الذي كان يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جوع بطنه، كيف ومعه الطفاوي رضي الله عنه، وغيره من الصحابة :
الأثر الثاني : حديث ابن مسعود السابق : قال أبو بكر (7/75) حدثنا عبيدة بن حميد عن هلال بن يساف قال: كانت امرأة من همدان تسبح الله وتحصيه بالحصى أو النوى فمرت على عبد الله فقيل له: هذه المرأة تسبح وتحصيه بالحصى أو النوى، فدعاها فقال لها: أنت التي تسبحين وتحصين؟ فقالت: نعم إني لأفعل، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك، تقولين: الله أكبر كبيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا "، عبيدة بن حميد صدوق، وهلال بن يساف ثقة تابعي كبير أدرك عليا وطبقته فجائز ممكن سماعه من ابن مسعود، ولحديثه شاهد ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه لآخر حديث من جامعه (ر 50) قال:
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ذكر له عن امرأة تسبح بخيوط معقَّدة فقال: ألا أدلُّك على ما هو خير لك منه ؟ سبحان الله ملء البرِّ والبحر سبحان الله ملء السماوات والأرض سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البرّ والبحر والسماء والأرض"، وفي قول ابن مسعود للمرأة:" أدلك على خير من ذلك"، لدليل قاطع على جواز السبحة، وإن كانت مفضولة، لأن في قوله :" لا أدلك على خير من ذلك"، لدليل واضح على الجواز، ولو كان ذلك بدعة لأنكره ولرماه، كما سبق من رواية ذلك الضعيف الذي خالف رواية عشرات الثقات . 
ولأن صيغ التفضيل تصح أن تكون بين فاضل وأفضل منه كما أسلفنا .
أثر ثالث : وروي إقرار السبحة عن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال أبو بكر 7751: حدثنا ابن فضيل عن وقاء عن سعيد بن جبير قال:" رأى عمر بن الخطاب رجلا يسبح بتسابيح معه، فقال عمر: إنما يجزيه من ذلك أن يقول سبحان الله ملء السموات والأرض وملء ما شاء من شئ بعد، ويقول: الحمد لله ملء السماوات والأرض وملء ما شاء من شيء بعد، ويقول: الله أكبر ملء السماوات والأرض وملء ما شاء من شيء بعد"، هذا خبر منقطع بين سعيد وعمر، ووقاء بن إياس مختلف في توثيقه، وهو مثل حديث صفية وابن مسعود السابقين والذين فيهما إقرار التسبيح بالحصى، مع الإرشادها للأدعية الجوامع كما مر، لأن عمر قد قال للمسبح: "إنما يجزيه من ذلك" أي أن يقول هذا الدعاء الجامع، لأنه خير من عد وإحصاء التسبيح المطلق، سواء أحصى بالسبحة أم بالأنامل .
أثر أو الأثر الرابع : وروي إقرار السبحة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
قال أبو بكر 7744: ثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن عن موسى القاري عن طلحة بن عبد الله عن زاذان قال: " أخذت من أم يعفور تسابيح لها فلما أتيت عليا علمني فقال :يا أبا عمر أردد على أم يعفور التسابيح"،
وقال ابن أبي خيثمة في تاريخه نا أبي نا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي نا حسن بن صالح عن موسى الذي كان في جهينة عن طلحة بن عبد الله عن زاذان قال أخذت من أم يعقوب تسبيحا لها، فلما أتيت على علي قال لي: يا أبا عمر رد على أم يعقوب تسبيحها"، هذا أثر رجاله ثقات إلا طلحة بن عبد الله الكندي فقد وثقه ابن حبان وحده، وقال عنه ابن أبي حاتم:" روى عن زاذان روى عنه موسى القارى الجهني سمعت أبى يقول ذلك وسألته عنه فقال:هو مجهول، وقال ابن حجر في اللسان" يروى المراسيل روى عنه موسى الجهني، من ثقات ابن حبان ويحتمل أنه هو الذي يروى عن زاذان"، وزاذان هو أبو عمر الكندي ثقة صدوق، وموسى هو ابن عبد الله ثقة، فيصح الحديث .
أثر خامس: وروي عدم إنكار السبحة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ولم يصح:
فقال أحمد حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن التيمي عن أبي تميمة عن امرأة من بني كليب قال:" رأتني عائشة أسبح بتسابيح معي فقالت: أين الشواهد؟ يعني الأصابع"، فيه مبهمة، وعائشة رضي الله عنها لم تبدّع التسابيح كما يفعلون، وإنما أرشدتها إلى ما هو أفضل منها وهو التسبيح بالأصابع كما سبق .
الأثر السادس : وقد جاء التسبيح بالحصى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
وهو راوي الحديث الأول في تسبيح تلك الصحابية بالحصى وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لها، فعمل بتلك السنة التقريرية:
قال ابن سعد في الطبقات (3/143) أخبرنا قبيصة بن عقبة عن سفيان عن حكيم بن الديلمي أن سعدا كان يسبح بالحصى"، هذا أثر رجاله ثقات، وقبيصة قيل عنه بغير حجة: يخطئ في حديث سفيان، وقد رد هذا القول ابن عدي، وروى هذا الأثر غير قبيصة فزاد في الإسناد مولاة سعد :
قال ابن أبي شيبة في مصنفه (2/161) ) باب في عقد التسبيح وعدد الحصى، حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن حكيم بن الديلمي عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى والنوى"، ثم قال:
حدثنا ابن مهدي عن سفيان عن حكيم بن الديلمي عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى والنوى"، رجاله ثقات إلا مولاة سعد رضي الله عنه فلا أدري من هي، ولحديثها شاهد بإسناد رجاله ثقات، به يتقوى الحديث:
فقال ابن جابر في أنساب الأشراف حدثني بكر بن الهيثم وإبراهيم بن محمد بن عرعرة عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال :" كان سعد يسبح بالحصى وكان يقول: أكره أن أتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بواحدة فيزيدوا عليها مائة "، الزهري قد أدرك من حياة سعد خمس سنوات وقيل أكثر من ذلك، وهذا سن يصح فيه التحمل عند عامة أهل الحديث فيصح الحديث مع شاهده والحمد لله.
الأثر السابع : وجاء التسبيح بالحصى عن أبي صفية رضي الله عنه: ذكر ذلك الفضلَ السلفُ والخلفُ وأهلُ الحديث في ترجمته قال الشوكاني:" فَفِي جُزْءِ هِلَالِ الْحَفَّارِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي صَفِيَّةَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُوضَعُ لَهُ نِطْعٌ وَيُجَاءُ بِزنبِيلٍ فِيهِ حَصًى فَيُسَبِّحُ بِهِ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ يَرْفَعُ فَإِذَا صَلَّى أَتَى بِهِ فَيُسَبِّحُ حَتَّى يُمْسِيَ"،
1. وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: رَأَيْت أَبَا صَفِيَّةَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ خَازِنًا، قَالَتْ : فَكَانَ يُسَبِّحُ بِالْحَصَى"، وهذا رجاله ثقات إلا أم يونس فالله أعلم بحالها، وهي من مستورات التابعين، اللاتي لم يرو عنهن غير أهلهن، لشدة حيائهن واحتجابهن من غيرهن، وقد توبعت فصح الحديث .
وكذا استدل به أهل الحديث على صحبة أبي صفية، منهم: البخاري وأبو حاتم وجزما في ترجمة أبي صفية أنه كان يسبح بالحصى، وقال أبو نعيم في الصحابة من ترجمة أبي صفية، عن الحسن بن سفيان أنه قال في الصحابة :" روى حديثه عبد الواحد بن زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت :" رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين يكنى أبا صفية، وكان جارنا هاهنا وكان إذا أصبح يسبح بالحصى"، لم يزد عليه،
2. وقال ابن حجر في الصحابة من ترجمة أبي صفية مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم:" قال البخاري عداده في المهاجرين، وأخرجه من طريق المعلى بن عبد الرحمن سمعت يونس بن عبيد يقول لأمه: ماذا رأيت أبا صفية يصنع؟ قالت: رأيت أبا صفية وكان من المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسبح بالنوى"، قال ابن حجر :" تابعه عبد الواحد بن زيد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت:" رأيت أبا صفية رجلا من المهاجرين يسبح بالنوى، أخرجه البغوي ، وأخرج من وجه آخر عن أبي بن كعب عن أبي صفية مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع ويؤتى بحصى، فيسبح به إلى نصف النهار، فإذا صلى الأولى ورجع أتى به فيسبح حتى يمسي"، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل (2/137) (3/272) حدثني أبي ثنا عفان ثنا عبد الواحد بن زياد حدثني يونس بن عبيد عن أمه قالت: "رأيت أبا صفية رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالت وكان جارنا ها هنا قالت فكان إذا أصبح يسبح بالحصى"، قال عبد الله: ثنا القواريري ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا يونس عن أمه قالت: رأيت أبا صفية رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وقال ابن سعد في الطبقات (7/60)  نا عفان بن مسلم ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: كان جارنا هاهنا فكان إذا أصبح يسبح بالحصى والنوى ولا أراه إلا بالحصى"، وهذه أسانيد رجالها ثقات إلا أم يونس فالله أعلم بحالها، وقال ابن عبد البر في الإستعاب من ترجمته:" روى عنه سعيد بن عامر عن يونس بن عبيد أنه سمعه يقول لأمه ماذا رأيت أبا صفية يصنع؟ قالت: رأيت أبا صفية وكان من المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسبح بالنوى"، ورواه بعضهم عن يونس بن عبيد عن أمية به فلعله تصحيف والله أعلم.
3. وقد توبعت أم يونس بن عبيد: فقال البغوي في الصحابة نا أحمد بن المقدام نا معتمر نا أبو كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع، ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى الأولى سبح حتى يمسي"، أورده ابن كثير في البداية والنهاية (5/322)، وخرجه من طريقه ابن عساكر (4/293)،
. وقد تابع ابنَ المقدام أبو الأشعث فقال حدثنا المعتمر بن سليمان حدثنا أبو كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع ويؤتى بزنبيل فيه حصا فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتي به فيسبح به حتى يمسي»، خرجه البيهقي في الشعب، وفيه أبو كعب وجده بقية لم أعرفهما، وقد توبعا،
4. فقال البخاري في التاريخ :" نبيه عن أبي صفية قاله كعب عن جده نبيه "، وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل:" نبيه رأى أبا صفية روى أبو كعب عن جده نبيه سمعت أبى يقول هما مجهولان"، فها قد روى هذا الحديث ثلاثة من المجاهيل بعضهم يقوي بعضا مع استدلال كل أهل الحديث بهذا الأثر على صحبة أبي صفية رضي الله عنه، وجزمهم بأنه كان يسبح بالنوى، ولن يجتمع أهل الحديث على خطإ فحسن الحديث .
الأثر الثامن : وصحّ التسبيح بالحصى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:  
فقال أبو بكر:حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله [عن] بن الأخنس قال حدثني مولى لأبي سعيد عن أبي سعيد: أنه كان يأخذ ثلاث حصيات فيضعهن على فخذه فيسبح ويضع واحدة ثم يسبح ويضع أخرى ثم يسبح أخرى ثم يرفعهن ويضع مثل ذلك، وقال لا تسبحوا بالتسبيح صفيرا". هذا حديث حسن، يحيى بن سعيد هو القطان، روى عن عبيد الله بن عمر وهو ثقة، وعبيد الله بن الأخنس صدوق، وأما مولى أبي سعيد فإن كان هو أبو سعيد مولى أبي سعيد، فقد وثقه ابن حجر فقال في المطالب العالية (4/286) عن إسناد هو فيه:" رجاله ثقات سمع بعضهم من بعض"، وقد يكون مولى أبو سعيد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج أحمد في مسنده (3/42) من طريق مولى لأبي سعيد الخدري قال:" بينما أنا مع أبي سعيد الخدري مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخلنا المسجد..الحديث، وحسن هذا لغيره الألباني في الثمر المستطاب، ومن المعلوم عند أهل الحديث أن المهمل إذا كان ثقة أو صدوقا أو صحابيا فلا يضر عدم تعيينه، فصح الحديث عن أبي سعيد رضي الله عنه .
الأثر التاسع : وَصح التسبيح بالنوى عن أبي الدرداء برؤية زوجته رضي الله عنهما بإسناد كالشمس:
قال أحمد في الزهد (141) حدثنا مسكين بن بكير نا ثابت بن عجلان عن القاسم بن عبد الرحمن قال :" كان لأبي الدرداء نوى من نوى العجوة، - حسبت عشرا أو نحوها- في كيس، وكان إذا صلى الغداة أقعى على فراشه فأخذ الكيس فأخرجهن واحدة واحدة يسبح بهن، فإذا نفدن أعادهن واحدة واحدة، كل ذلك يسبح بهن، قال: حتى تأتيه أم الدرداء فتقول يا أبا الدرداء: إن غداءك قد حضر، فربما قال:  ارفعوه فإني صائم ".
وهذا حديث كل رجاله ثقات، وهو متصل لأن القاسم قد سمع من أبي الدرداء وأدركه، فإن القاسم شامي وأبو الدرداء سكن الشام، وبين وفاتيهما نحو من تسع وسبعين سنة، فيكون القاسم من المعمرين، وقد روى يحيي بن الحارث عن القاسم قال:" لقيت مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"،
ثم وجدت الدليل على الاتصال بين القاسم وأبي الدرداء، فقال ابن أبي عاصم في الجهاد حدثنا هشام بن عمار ثنا يحيى بن حمزة ثنا عروة بن رويم عن القاسم أبي عبد الرحمن أنه حدثه قال:" زارنا سلمان الفارسي فصلى الإمام بالناس الظهر، ثم خرج وخرج الناس يتلقونه كما يتلقى الخليفة ، فتلقيته وقد صلى بأصحابه العصر وهو يمشي، فوقفنا نسلم عليه، فلم يبق فينا شريف إلا عرض عليه أن ينزل عليه فقال: إني جعلت في نفسي مرتي هذه أن أنزل على بشير بن سعد، فلما قدم سأل عن أبي الدرداء فقالوا: هو مرابط، قال: وأين مرابطكم ؟ قالوا: بيروت ، فتوجه قبله ، فقال سلمان: يا أهل بيروت الحديث، وهو متصل رجاله من أهل الصدق المحتج بهم، وقال الألباني في الإرواء (5/22):" رجاله موثقون"، ورواه أحمد بن عامر وإبراهيم بن دحيم كلاهما عن هشام بن عمار به، خرجه من طريقهما ابن عساكر، وقد توبع هشام بن عمار،
فرواه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن قال نا محمد بن إسماعيل حدثني الهيثم بن خارجة نا يحيى بن حمزة عن عروة بن رويم أن القاسم أبا عبد الرحمن حدثه قال:" زارنا سلمان وخرج الناس يتلقونه كما يتلقى الخليفة فلقيناه وهو يمشي..."، خرجه ابن عساكر،
وقال أبو زرعة الدمشقي حدثنا محمد بن المبارك ثنا يحيى بن حمزة عن عروة بن رويم عن القاسم أبي عبد الرحمن قال:" قدم علينا سلمان الفارسي دمشق..."، وهذا إسناد حسن صحيح،
وقد توفي سلمان سنة أربع وثلاثين، وأبو الدرداء سنة ثلاث وثلاثين، وهذه الروايات فيها دليل على سماع القاسم أبي عبد الرحمن من أبي الدرداء، ومن ثم يحمل حديثه على الإتصال، ويصح أثر التسبيح بالنوى عن أبي الدرداء رضي الله عنه .
فهؤلاء تسعة من أصحاب رسول الله، جاء عنهم التسبيح بالنوى والحصى أو إقرار ذلك، ولا يعرف لهم مخالف أبدا .
قال الشيخ أبو العباس الرَّدَّاد:" تبين من قول الحسن البصري أن السبحة كانت موجودة في زمن الصحابة "،
وقال ابن تيمية في المجموع (22/506):" فَصْلٌ وَعَدُّ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابِعِ سُنَّةٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ِللنِّسَاءِ:"سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابِعِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ"، وَأَمَّا عَدُّهُ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَنَحْوُ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ".
وقال ابن حجر: والروايات بالتسبيح بالنوى والحصى كثيرة عن الصحابة وبعض أمهات المؤمنين بل رآها صلى الله عليه وسلم وأقرها عليه، وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة"،
وقال المناوي أيضا في شرحه لحديث " عليكن بالتسبيح والتكبير واعقدن بالأنامل:" وهذا أصل في ندب السبحة المعروفة وكان ذلك معروفا بين الصحابة ... وقد اتخذ السبحة أولياء كثيرون"،
وقال الشوكاني من باب جواز عد التسبيح بالحصى:" وَقَدْ سَاقَ السُّيُوطِيُّ آثَارًا فِي الْجُزْءِ الَّذِي سَمَّاهُ" الْمِنْحَةُ فِي السُّبْحَةِ" وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ كِتَابِهِ الْمَجْمُوعِ فِي الْفَتَاوَى وَقَالَ فِي آخِرِهِ:" وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَلَا مِنْ الْخَلَفِ الْمَنْعُ مِنْ جَوَازِ عَدِّ الذِّكْرِ بِالسُّبْحَةِ بَلْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ يَعُدُّونَهُ بِهَا وَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا"،
وقال المناوي في فيض القدير (4/355):" ولم ينقل عن أحد من السلف ولا الخلف كراهتها .."،
فهذا ما جاءنا عن أصحاب رسول الله، الذين هم من خيار عباد الله، وهم خير القرون بلا منازعة، وأفضل الناس بلا مدافعة، ووالله ما كانت البدع تصدر منهم، ولا كانوا من المقرين لها، بل كل ما صحّ عنهم فهو السنة المسنونة، ومن بدّع أفعالهم فقد لحق بالبدعة المذمومة، فحاشا القومَ من السبق إلى البدع وكلا، فقد قال حماد بن زيد:"رحم الله أمير المؤمنين عثمان حوصر نيفا وأربعين ليلة، لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة "،
وقد سبق النقل عن جماعة من سلف العلماء أنهم ذكروا أنه لم يُنقل عن أحد من السلف كراهة السبحة فضلا عن القول ببدعيتها، فمن ادعى صحةَ بدعيتها عن أحد من السلف فليُبينه، ومن أي كتب السلف أخذ فليسنده، وإلا فليربح العناء، ولينل من اجتهاده الشقاء، بمخالفته الصحابة وسلف العلماء .
المطلب الثالث: ذكر ما جاء في التسبيح بالحصى أو النوى عن التابعين:
أثر أول: قال ابن سعد في الطبقات (8/474) : نا عبيد الله بن موسى نا إسرائيل عن جابر عن امرأة حدثته عن فاطمة بنت الحسين بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أنها كانت تسبح بخيوط معقود فيها ".
أثر أو الأثر الثاني: قال ابن أبي خيثمة في تاريخه 3747- وحدثنا الحوطي حدثنا إسماعيل بن عياش حدثتنا عائشة ابنة عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قالت : رأيت عائشة ابنة طلحة لها سبحة تسبح بها "، الحوطي عبد الوهاب بن نجدة ثقة شامي، وعائشة هي بنت طلحة الصحابي المبشر بالجنة.  
أثر أو الأثر الثالث : رواه أبو أيوب بن صالح العتكي حدثتني أمي أم عبد الله قالت:" كنت أدخل على هند بنت المهلب وهي تسبح باللؤلؤ فإذا فرغت من تسبيحها ألقته إلينا، فقالت: إقتسمنه بينكن"،
وكان أبو مسلم الخولاني يسبح بالسبحة، وقد روي عن الحسن البصري التسبيح بالسبحة أيضا،
خرج ذلكم ابن عساكر في تاريخه من تراجمهم، ولم يصح عن أحد من التابعين أنه أنكر السبحة، فإن قيل:
1/ قد قال أبو بكر في مصنفه: باب من كره عقد التسبيح: حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن عن إبراهيم المهاجر عن إبراهيم أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسابيح التي يسبح بها "،
قيل له في إسناده الحسن مهمل، وهو إما ابن صالح بن حي ثقة، أو الحسن بن عمارة المتروك، وكلاهما كوفي يروي عن إبراهيم .
وإبراهيم بن مهاجر البجلي الأكثرون على تضعيفه، وهو صدوق لين الحفظ وقد تفرد بالخبر،  
ولو صح فهو محمول على ما بوب عليه أبو بكر، فتكون الكراهة لئلا تعين ابنته النساء على فتل الخيوط التي بها يُقيد التسبيح ويُحصر بعدد معين وهو ما كرهه بعضهم كما مضى، وقد تكون الخيوط من حرير أو نحو ذلك، ومن الناس من الناس من جعل خلاف إبراهيم خاصا بالسبحة التي تكون في خيوط، ويبقى غيرها جائزا بالإجماع، وعلى أي حال فأثر إبراهيم ضعيف، وبقي الإجماع سالما، ثم الحجة في إقرار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التسبيح بالحصى، وورود ذلك عن أصحابه بلا مخالف .
2/ وقال محمد بن وضاح: نا زهير بن عباد عن يزيد بن عطاء عن أبان بن أبي عياش قال: سألت الحسن عن النظام من الخرز والنوى ونحو ذلك يسبح به ؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولا المهاجرات"،
والجواب أن هذا الخبر منكر جدا بل موضوع ، في إسناده يزيد بن عطاء لين الحفظ، وأبان بن أبي عياش متروك، وهو مخالف لما ذكرناه صحيحا عن بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم في التسبيح بالنوى، ولا يحل أبدا أن تترك الروايات الثابتات، ويُحتج بالأباطيل والمنكرات، وبهذا التقرير عري القول بكراهة السبحة فضلا عن دعوى بدعيتها عن التابعين.
المطلب الرابع: ذكر ما جاء التسبيح بالحصى والنوى عن أتباع التابعين ومن بعدهم:
قال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ من ترجمة إمام المحدثين يحيى بن سعيد القطان :" قال يحيى بن معين: وكان له سبحة يسبح بها"، والقطان من أجلة أئمة الحديث، ولا يخفى حال ابن معين والذهبي، ولم يصح في هذه الطبقة مخالف .
المطلب الخامس: ذكر عدم الفارق بين التسبيح بالنوى وما هو في خيط ، وكلام السلف في ذلك :
ثم اعلم أنه لا فرق بين التسبيح بالحصى أو غير ذلك، سواء أكان ذلك في خيط أو لم يكن فيه، لذلك قال المباركفوري في التحفة:" قال القارى: هذا الحديث أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره صلى الله عليه وسلم فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يُعد به، ولا يُعتد بقول من عدها بدعة "،
وقال الشوكاني في النيل :" وَالْحَدِيثَانِ الْآخَرَانِ يَدُلَّانِ عَلَى جَوَازِ عَدِّ التَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَكَذَا بِالسُّبْحَةِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمُ إنْكَارِهِ، وَالْإِرْشَادُ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ، وقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ آثَارٌ "،
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد فرق بين ما كان في نظام فجعل الخلاف فيه، وما لم يكن فيه فلا خلاف، فَقال في المجموع (22/506):" فَصْلٌ وَعَدُّ التَّسْبِيحِ بِالْأَصَابِعِ سُنَّةٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ِللنِّسَاءِ:"سَبِّحْنَ وَاعْقِدْنَ بِالْأَصَابِعِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ"، وَأَمَّا عَدُّهُ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَنَحْوُ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُسَبِّحُ بِالْحَصَى وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُسَبِّحُ بِهِ، وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكرهه وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه"،
ولعل عمدته في نقل الخلاف ما مضى عن النخعي في نهي ابنته من فتل خيوط التسبيح، وقد مضى ضعفه، فبقي الأصل عدم المخالف كما قال غيره من العلماء .
المطلب السادس : من نقل مطلق الجواز، وأنكر وجود الاختلاف في المسبحة :
قال الشوكاني في النيل:" وقد ساق السيوطي آثارا في الجزء الذي سماه المنحة في السبحة وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى وقال في آخره: ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون في ذلك مكروها"،
وقال المناوي في فيض القدير (4/355):" ولم ينقل عن أحد من السلف ولا الخلف كراهتها، نعم محل ندب اتخاذها فيمن يعدها للذكر بالجمعية والحضور ومشاركة القلب للسان في الذكر والمبالغة في إخفاء ذلك، أما ما ألفه الغفلة البطلة من إمساك سبحة يغلب على حباتها الزينة وغلو الثمن ويمسكها من غير حضور في ذلك ولا فكر ويتحدث ويسمع الأخبار ويحكيها وهو يحرك حباتها بيده مع اشتغال قلبه ولسانه بالأمور الدنيوية فهو مذموم مكروه من أقبح القبائح "،
وقال المناوي أيضا :" وهذا - حديث صفية في الجواز - أصل في ندب السبحة المعروفة وكان ذلك معروفا بين الصحابة...  وقد اتخذ السبحة أولياء كثيرون "،
وقال الشيخ أبو العباس الرَّدَّاد:" تبين من قول الحسن البصري أن السبحة كانت موجودة في زمن الصحابة"،
وقال ابن حجر: والروايات بالتسبيح بالنوى والحصى كثيرة عن الصحابة وبعض أمهات المؤمنين بل رآها صلى الله عليه وسلم وأقرها عليه، وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة"،
وقال المباركفوري في التحفة :" قال القارى: هذا الحديث أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره صلى الله عليه وسلم فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يُعد به، ولا يُعتد بقول من عدها بدعة " اه،
المطلب السادس: ذكر أقوال أخرى لأصحاب المذاهب:
قال الإمام النووي الشافعي في تهذيب الأسماء واللغات :" السبحة بضم السين وإسكان الباء، خرز منظومة يسبح بها معروفة، إعتادها أهل الخير، مأخوذة من التسبيح."  
وقد سبق النقل عن جماعة السلف الأخيار الذين اتخذوا السبحة واستدلوا بتسبيح صفية بالنوى :
فقال المباركفوري: "وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ عَدِّ التَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى اِمْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ صَفِيَّةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ يَدَيَّ أَرْبَعَةُ آلَافِ نَوَاةٍ أُسَبِّحُ بِهَا، الْحَدِيثَ"
وكذلك احتج بهما أئمة الحديث على جواز الحصى أو السبحة وهو ظاهر من تبويباتهم .
وهكذا استدل بهما شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والسيوطي والقاري والمناوي وغيرهم،
 وقال ابن حجر: والروايات بالتسبيح بالنوى والحصى كثيرة عن الصحابة وبعض أمهات المؤمنين بل رآها صلى الله عليه وسلم وأقرها عليه، وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة"،
ونقله القاري في المرعاة ثم قال:" قيل وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من المسبحة، وقيل إن أمن الغلط فهو أولى وإلا فهي أولى"،
وقال المناوي في شرحه حديث "عليكن بالتسبيح والتكبير واعقدن بالأنامل :" وهذا أصل في ندب السبحة المعروفة ".
وقال الشوكاني في النيل (2/166): وَالْحَدِيثَانِ الْآخَرَانِ يَدُلَّانِ عَلَى جَوَازِ عَدِّ التَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى وَكَذَا بِالسُّبْحَةِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمُ إنْكَارِهِ، وَالْإِرْشَادُ إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ وقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ آثَارٌ "، وحتى الألباني أقرّه على هذا الفهم لكنه اشترط صحة الحديث، فما بال القوم يخالفون الأئمة في فهم الحديث ؟!
ونقل الذهبي في السير (12/66) من ترجمة سحنون المالكي راوي المدونة عن ابن القاسم عن الإمام مالك، قال الذهبي:" عن إسماعيل بن إبراهيم قال: دخلت على سحنون وهو يومئذ قاض، وفي عنقه تسبيح يسبح به"،
وسبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي أنه استحسن السبحة، بل إنه أجاز اتخاذ السبحة حتى في وسط الصلاة في بعض الحالات، فسئل كما في مجموع الفتاوى له (22/625) والفتاوى الكبرى (2/233) عمن يقرأ القرآن ويعد في الصلاة بسبحة هل تبطل صلاته أم لا ؟ فأجاب:"إن كان المراد بهذا السؤال أن يعد الآيات أو يعد تكرار السورة الواحدة مثل قوله (قل هو الله أحد) بالسبحة فهذا لا بأس به، وإن أريد بالسؤال شيء آخر فليبينه والله اعلم"،
وذكر تلميذه ابن القيم في الوابل الصيب فقال: الفصل الثامن والستون في عقد التسبيح بالأصابع وأنه أفضل من السبحة "،
وقال السخاوي في ترجمة الحافظ ابن حجر الشافعي (1/171) :" وكان رحمه الله تعالي إذا جلس مع الجماعة بعد العشاء وغيرها للمذاكرة تكون السبحة تحت كمه بحيث لا يراها أحد ، ويستمر يديرها وهو يسبح أو يذكر غالب جلوسه، وربما سقطت من كمه فيتأثر لذلك رغبة في إخفائه"،
بل إن العلماء أجازوا أن يُتخَذَ خيط السبحة من حرير، فسئل الحافظ الشافعي ابن الصلاح كما في أدب المفتي والمستفتي: هل يجوز للإنسان أن يسبح بسبحة خيطها حرير والخيط ثخين..؟ فأجاب: "...ولا يحرم ما ذكره في السبحة المذكورة، والأولى إبداله بخيط آخر"،
ورجح الصنعاني في سبل السلام من كتاب اللباس جواز كون خيط السبحة من حرير فقال:" وأما خياطة الثوب بالخيط الحرير ولبسه وجعل خيط السبحة من الحرير، وليقة الدواة وكيس المصحف وغشاية الكتب فلا ينبغي القول بعدم جوازه لعدم شموله النهي له"،
وبجواز كون خيط السبحة من حرير قالت الشافعية والحنفية وبمنع سبحة الحرير قالت الحنابلة، نقل ذلك الجزيري في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (2/10).
ويُفهم من ذلك أنهم لم يختلفوا في جواز السبحة إذا كان خيطها من غير الحرير .  
وقد سبق النقل عن السيوطي والمناوي وغيرهما بأنه لا يُعرف عن أحد من السلف القول بكراهيتها فضلا عن دعوى بدعيتها، ولا يحل لأحد أيا كان أن يُحدث قولا جديدا ليس له فيه إمام من السلف، كما قرر أئمة السلف الطيبين، تعصبا منه لأخطاء المتأخرين، والله العاصم من النفاق، وهو وحده الهادي إلى سبيل السنة والصواب.
المطلب السابع: ذكر من ألف في مشروعية السبحة من السلف:
من أبرز من أفرد تصنيفا خاصا عن السبحة الإمام السيوطي كما سبق .
 وصنف ابن طولون كتابا أسماه: الملحة فيما ورد في أصل السبحة ".
 كما ألف الإمام محمد بن علان الصديقي الشافعي مؤلفا سماه: إيقاد المصابيح لمشروعية إتخاذ المسابيح".
وألف محمد بن عبد السلام بن حمدون الفاسي كتاب:" تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق".
وللكنوي رسالة باسم: "نزهة الفِكْر في سبحة الذِّكر ".
ومن نسب إلى أحد من السلف إنكار السبحة أو القول ببدعيتها فليُسنده، ومن أي الكتب أخذ فليبينه، كما أسندنا وبينا قول من قال بالجواز، ولا يحل الأخذ بقول لم يصح عن أحد من السلف ليضرب به تلكم الآثار الصحاح والإجماع، إذ كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، ولئن كانوا ردوا علينا بمجرد التشنيع، فإنا قد أتيناههم بما جاءنا عن رسول الله، وعن أصحاب نبي الله، وبما قال به سلف العلماء من أولياء الله، والله هو الهادي وحده للسنة والكتاب، واتباع الحق والصواب وبالله التوفيق .


                                             الخاتمة :
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتكمل الطاعات،  وبعد :
فأحمد الله تعالى أن وفقني لجمع وإتمام هذا البحث المتواضع، والذي ذكرت فيه أنواع التسبيح المقيد والمطلق، وذكر الاختلاف في العدّ فيه، ومن منع استعمال السبحة وذكر أدلتهم، وفصلت القول في خبر ابن مسعود وبينت الاختلاف عليه فيه ، ثم ذكرت من قال بمشروعية السبحة ونحوها، من الصحابة والتابيعن ومن تبعهم من أهل الفقه في الدين، وفي الختام أدعو كل مسلم يغار على دينه ويتبع السلف حقا وصدقا أن لا يكون همه الرد والتعصب بقدر ما يكون همه اتباع الحق والرجوع إلى مذهب أهل الصدق، من السلف والتأمل في آثارهم والتقصي عن مذاهبهم .
ولسنا ننكر التسبيح باليد حتى يُقال بأنّا ندعو الناس إلى غير السنة، بل الأفضل التسبيح باليد، والسبحة جائزة خاصة لخفيف الضبط كثير النسيان، المهم أن لا نخالف السلف، ولا نأتي لشيء فعلوه فنبدعه، والله وحده هو الهادي إلى سبيل الحق ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



                           وكتبه أبوعيسى الطاهر الزياني



Commentaires

  1. إقرأ أيضا: البرهان في استحباب القراءة الجماعية للقرآن انسخ الرابط https://elzianitaher.blogspot.com/2018/01/blog-post.html

    RépondreSupprimer
  2. مشروعية التسبيح بالسبحة

    RépondreSupprimer

Enregistrer un commentaire